قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٩ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
منه الخوف، الحياء أفضل منه، و الحبّ الذي يورث الحياء منه أفضل من الحياء و هو الشوق. و قال الجنيد: المحبة نفسها قرب القلب من الله بالاستنارة و الفرح. فإما حبّ تجلي الصفات عن الأسماء الباطنة فإنّا لم نذكر منها شيئا، و إنما ذكرنا محبة الأخلاق عن الأسماء الظاهرة، و لا أحسب أنه يحل رسمه في كتاب و لا كشفه لعموم الناس لأنّه من سرّ المحبة لا يكاشف به إلا من اطلع عليه و لا يتحدث به إلا من أعطيه، و ما رأيت أحدا رسمه في كتاب لأنّه لا يؤخذ من كتاب، و إنما يتلقى من أفواه العلماء، و ينسخ من قلب إلى قلب، و هو يشبه ما كتبنا عنه آنفا من الخوف الثامن الذي لم نصفه لمن لا يعرفه. و مما نقل في الأثر من وصف من أذيق منه و لم يفصح بذكر وصفه أنّا روينا في الأخبار: أنّ بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله أن يرزقه ذرة من محبته ففعل ذلك، فهام في الجبال و حار عقله، و وله قلبه، و بقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء و لا ينتفع به شيء. فسأل له الصدّيق ربه فقال: يا ربّ انقصه من الذرة نصفها، فأوحى الله إليه إنما أعطيناه جزءا من مائة ألف جزء من ذرة من المعرفة، و ذلك أنّ مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخّرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته، فقسمت ذرة من المحبة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك. فقلت: سبحانك أحكم الحاكمين انقصه مما أعطيته. قال: فأذهب الله عنه جملة ذلك الجزء و بقي فيه عشر معشاره و هو جزء من ألف جزء، فاعتدل خوفه و حبه و علمه و رجاؤه، و صار كسائر العارفين. و من علم المحبة سهر الليل بمناجاة الجليل، و الحنين إلى الغروب شوقا إلى الخلوة بالمحبوب، و مناجاة القلب سرائر الوجد، و مطالعة الغيب و المناجاة عند أهل المصافاة، إنما هي بالقلوب و هي مطالعاتها بواطن الغيوب، و جولانها في سرّ الملكوت و علوّها في معاني الجبروت بأنوار أرواحها، يحملها شعاع أنواره فيوقعها على خزائن أسراره. و المناجاة دليل رؤية القرب و شاهد وجود الأنس. و فيما أخبرنا عن الله تعالى أنه قال: كذب من ادّعى محبتي إذا جنه الليل نام عني، أ ليس كل حبيب يحبّ الخلوة بحبيبه، فها أنا ذا قريب من أحبابي أسمع سرّهم و نجواهم و أشهد حنينهم و شكواهم. و روينا عن بعض العلماء القدماء أنّ الله عزّ و جلّ أوحى إلى بعض الصدّيقين: أنّ لي عبادا من عبادي يحبوني و أحبّهم، و يشتاقون إليّ و أشتاق إليهم، يذكروني و أذكرهم، و ينظرون إليّ و أنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك، و إن عدلت عنهم مقتّك. قال: يا رب: و ما علامتهم؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه، و يحنون