قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٨ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و قال بعض العلماء: من عرف الله من طريق المحبة بغير خوف هلك بالبسط و الإدلال، و من عرفه من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد و الاستيحاش، و من عرف الله من طريق المحبة و الخوف أحبّه الله فقرّبه و علّمه و مكّنه. و ليس العجب من خوف الخائفين إذ لا يعرفون إلا الصفات المخوفات و الأفعال القاصمات، و إنما العجب من خوف المحبين مع ما عرفوا من أخلاقه و حنانه و شهدوا من تعطفه و ألطافه ما لم يعرف الخائفون، ثم هم مع حبهم يهابونه و على أنفسهم به يحابونه، و في فزعهم منه يشتاقون إليه، و في بسطه لهم ينقبضون بين يديه، و في إعزازه لهم يذلون له، لأن من قبض فانقبض فليس بعجب، و لكن من أعزّ و أكرم فتواضع و ذلّ فهو العجب. فللمحبين الانقباض في البسط، و للخائفين الانقباض في القبض، و للمحبين الذلّ مع العزّ و الكرامة، و للخائفين الذلة مع الهيبة و المهنة، فهذا يدل على أنّ معرفة المحبين به أعظم المعارف إذ كانت أوائل أحوالهم المخاوف. فكل محبّ للَّه خائف و ليس كل خائف محبّا يعني محبة المقربين، لأنّه لم يذق طعم الحبّ لأنّ طعم محبة المسلمين المفترضة لا يقع بها اعتبار في مقامات الخصوص، لأنّه لا يوجد عنها مواجيد الأحوال، و لا يعلى بها في مشاهدات الانتقال، لأنها قوت الإيمان، منوطة بصحته و موجودة بوجوده، و المحبة لا ترفع الهيبة، فلذلك كان محبّا خائفا لأنّ المحبوب مهوب، و الخوف قد يقبض عن المحبة لشغل الخائف بوصفه السالف، و هذا كشف الأبرار و هو حجاب المقرب من المحبة قوت، و هذا كما يقول في الرجاء و الخوف لأنهما وصفا الإيمان، إلا إنّ الخائف يتدرج الرجاء في حاله و الراجي ينطوي الخوف في رجائه. و في سبق ترتيب المقامات من الله تعالى حكم غريب و حكمة لطيفة لا يعرفها إلا من أعطى يقين شهادتها، إن سبق إلى العبد بمقام الخوف كان محبّا حبّ المقربين العارفين، و إن سبق إليه بمقام المحبة كان محبّا محبة أصحاب اليمين، و لم يكن له مقامات المحبين المستأنسين و لا المشتاقين في مقامات المقربين، و كل هؤلاء موقنون صالحون و إن خرجت أحوالهم عن ترتيب علوم أهل الظاهر، لأن المنكر له أكثر من المقرّ، و الله غالب على أمره. و لكن أكثر الناس لا يعلمون هم درجات عند الله و الله بصير بما يعملون، و ربما كانت المحبة ثوابا للخوف و مزيدا له و هذا في مقام العاملين، و ربما كان الخوف مزيد المحبة و ثوابها و هذا في مقام العالمين. فمن كانت المحبة مزيدة بعد الخوف فهو من المقربين المحبوبين، و من كان الخوف مزيد محبّته فهذا من الأبرار المحبين، و هم أصحاب اليمين. و سئل بعض علمائنا البصريين: الحبّ أفضل أو الحياء؟ فقال: الحب الذي يورث