قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٧ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
عقوبة و نقاما باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة من حيث لا يعلمون، و أشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه، و هذا حقيقة الاستدراج يقع عن نهاية المقت من المحبوب، و غاية البغض منه و البعد. و السلو مقدمة هذا المقام و الإعراض و الحجاب بداية ذلك كله، و القبض عن الذكر و ضيق الصدر بالبر أسباب هذه المعاني المبعدة و المدارج المدرجة، إذا قويت و تزايدت أخرجت إلى هذا كله. و إذا تناقصت و بدل بها الصالحات و الحسنات أدخلت في مقامات المحبة و القربات، كما جاء في الأثر الثابت عن حبيب الله، و كذلك في تدبر الخطاب أنّ العاكف على هواه مقيت الله، فوجد هذه الأوصاف منك دلائل ما عاد عنك من الاستبدال بك و الإسقاط لك، و الخوف من هذه المعاني علامة المعرفة بأخلاقه الملوثة. و لا يصلح شرح هذه المقامات في كتاب و لا تفصيلها برسم خطاب، إنما يشرح في قلبه بيقينه قد شرح و بفضل العبد من نفسه قد فصل. فأما قلبه مشترك و عبد في هواه مرتبك، فليس لذلك أهلا و الله المستعان، و ثم خوف ثامن عن شهادة حب عال يغرب اسمه فيلتبس، و يخفي وصفه لقلة اشتهاره في الاستماع فيجهل. لم نسمه لأنه خوف عن مقام له اسم من المحبة، فيشتبه على كثير من سامعيه فينكرونه و يتشنج في أوهام غير مشاهديه بالخلق فيمثلونه، لأن أسماء صفات الخلق ملتبسة بمعنى صفات الخالق، و إنما لهم من ذلك ما يعلمون و هم بعلومهم محجوبون، فكيف بها يشهدون. فإن ذكرنا خوفه ثم على ذكر مقامه فظهر بإظهاره، فكان طيه أفضل من نشره إلى أن يسأل عنه من ابتلي بمصدره عنه، بعد أن نشرت منه لأن مقامات المحبة كلها إلى جنب مقامه، كنهر ضيف إلى بحر مثله، كمثل مشاهدات اليقين كلها إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد، و هو وصف من المحبة يعرف لأنّه من شوق الحبيب إلى المحب. و هو من معنى قول رابعة آنفا: حبّ الهوى. و من معنى قول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه و سلم: أرى ربّك يسارع إلى هواك. و من صدر عن مقام محبّ بعد وروده رفع إلى هذا المقام لأنه في مقام محبوب لجميل مشاهدات اليقين. و قد كان الجنيد رحمه الله ينشد هذين البيتين كثيرا: و من بعد هذا ما تدق صفاته و ما كتمه أحظى لديه و أعدل إلا إنّ للرحمن سرّا يسرّه إلى أهله في السرّ و الستر أجمل و قد ذكرنا معناه بعض المحبوبين في كلام منظوم في بيتين و هما: فمنك بدا حبّ بعز تمازجا بماء وصال كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه فكان بلا كون لأنك كنته