قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
للكشف و الشهادة، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة الحال. فما ذا يرتجون و بأي شيء يقومون؟ و هذا لا يفطن له إلا العاقلون و لا تشهده العيون. و قد قال بعض المقرّبين في حقيقة التوكّل لما سئل عنه فقال: هو الفرار من التوكّل يعني ترك السكون إلى المقام من التوكّل، أي يتوكّل و لا ينظر إلى توكّلهم إنه لأجله يكفي أو يعافى أو يوقى. فجعل نظره إلى توكله علّة في توكّله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل، و يقوم له بشهادة منه بلا ملل، فلا يكون بينه و بين الوكيل شيء ينظر إليه، أو يعوّل عليه، أو يدلّ به، حتى التوكّل أيضا الذي هو طريقه. و كذلك قال قبله بعض العارفين في معنى قوله عزّ و جلّ: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢]، فقال: المضطرّ الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع إليه يديه بالمسألة فلا يرى بينه و بين الله حسنة يستحق بها شيئا. فيقول: هب لي مولاي بلا شيء فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس، و يصير حاله مع كل الأعمال الإفلاس. فهذا هو المضطر. فهؤلاء القوم من الذين وصفهم الله عزّ و جلّ بالتقوى و المخافة، و جعلهم أهلا للدعوة و النذارة، و أخبر أنهم لا يرون بينه و بينهم سببا يليهم و لا شفاعة فقال تعالى يأمر رسوله بإنذارهم بكلامه فجعلهم وجهة لخلقه و مكانا لكلمه، كما جعل رسوله وجهة لهم و مكانا لتكليمهم. فقال تعالى: وَ أَنْذِرْ به الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ من دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الانعام: ٥١]. ثم قال تعالى في وصف أمثالنا من أهل اللعب و اللهو و الغرّة و الشهوة متهدّدا لنا متوعدا: وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الانعام: ٧٠]. و قيل لبعض علمائنا: ما التوكل؟ قال: التبرّي من الحول و القوّة، و الحول أشدّ من القوّة، يعني بالحول الحركة، و القوّة الثبات على الحركة، و هو أوّل الفعل. يعني بهذا لا ينظر إلى حركتك مع المحرّك إذ هو الأول و لا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في تثبيته إذ هو المثبت الآخر فتكون الأولية و الآخرية حقيقة شهادتك له به أنه الأوّل الآخر بعين اليقين، أي فعندها صحّ توكّلك بشهادة الوكيل. و قال مرة: التوكّل ترك التدبير. و أصل كل تدبير من الرغبة، و أصل كل رغبة من طول الأمل، و طول الأمل من حبّ البقاء، و هذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في وصف البقاء. و قال: الله سبحانه خلق الخلق و لم يحجبهم عن نفسه، و إنما جعل حجابهم تدبيرهم. و قد كثر قوله رحمه الله في ترك التدبير، و ينبغي أن يعرف ما معناه. ليس يعني بترك التدبير ترك التّصرّف فيما وجّه العبد فيه و أبيح له. كيف و هو يقول: من طعن على التكسّب فقد طعن على السنّة، و من طعن في ترك التكسّب فقد