قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٤ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
قيراطا انصرف قناعة و زهدا أو قلة حرص على الدنيا، و أعجب من ذلك ما سمعت عن حماد بن سلمة أنه كان يبيع اللحم في سفط بين يديه، فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه و انصرف. و قال إبراهيم بن يسار: قلت لإبراهيم بن أدهم أمر اليوم أعمل في الطين فقال: يا ابن يسار إنك طالب و مطلوب يطلبك ما لا تفوته و تطلب ما لا يفوتك، أما رأيت حريصا محروما و ضعيفا مرزوقا؟ فقلت: إنّ لي دانقا عند البقال فقال عزّ عليّ بك تملك دانقا و تطلب العمل. و قد كان كثير من الصناع يعمل نصف يومه و ثلثي يومه ثم يأخذ ما استحقه من كفايته و ينصرف إلى مسجده. و منهم من كان يعمل في الأسبوع يوما أو يومين و يتعبد سائر الأسبوع في خدمة سيده. و قد كانوا يجعلون أول النهار و آخره للآخرة في تجارة المعاد و المرجع، و يجعلون وسط النهار لتجارة الدنيا. و في الخبر: أنّ الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد من أول النهار و من آخره فيها خير و ذكر كفر الله عزّ و جلّ عنه ما بينهما من سيّئ العمل. و في الخبر: يلتقي ملائكة الليل و النهار، عند طلوع الفجر تنفرج ملائكة الليل و تنزل ملائكة النهار، و عند صلاة العصر فتنزل ملائكة الليل و تنفرج ملائكة النهار فيقول الله عزّ و جلّ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون و جئناهم يصلّون فيقول الله سبحانه و تعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم. و قد كان عليّ رضي الله عنه يمرّ في سوق الكوفة و معه الدرة و هو يقول: يا معشر التجار، خذوا الحق و أعطوا الحق، تسلموا و لا تردوا قليل الربح فتحرموا أكثر ما منع من حق إلّا ذهب أضعافه في باطل. و قيل لعبد الرحمن بن عوف: ما كان سبب يسارك؟ فقال: ثلاث، ما رددت ربحا قط و لا طلب مني حيوان و أخرت بيعه و لا بعت بنسء. و يقال إنه باع ألف ناقة فربح عقلها و باع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفي درهم، ألف أخذها و ألف نفقة عليها في يومها. و قد كان الورعون يكرهون ركوب البحر للتجارة و يقال: من ركب البحر للتجارة فقد استصقى في طلب الرزق. و في الخبر لا يركب البحر إلّا حاج أو غاز أو معتمر. و عن زيد بن وهب عن عمر رضي الله عنه كان يقول: ابتاعوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة و ثمروها لهم بالأرباح، و إياكم و الحيوان فإنه ربما هلك، و إياكم و لجج البحر اتجروا لهم فيها مالا. و كان عمرو بن العاص يقول: لا تكن أول من يدخل السوق و لا آخر خارج فإنّ بها باض الشيطان و فرخ. و روينا عن معاذ و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنّ إبليس قال لولده زلنبور: يا زلنبور سر بكتابيك و أنت صاحب السوق زين الحلف و الكذب و الخديعة و المكر و الخيانة و الخلف، و كن مع داخل و آخر خارج منها.