قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٣ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
فيما علمتم؟ إذا كانوا على علم من التجارة و الصناعة و بهذه الأشياء عمارة المملكة، فلا بدّ أن يسألا عن ذلك كما يسأل من كان على علم من الدين و الإيمان، لأن لهم في علوم العقل و التمييز من أبواب الدنيا أحوالا أيضا و مقامات من حيث كان عليهم في ذلك تكليف و عبادات. و يقال: إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر و أصحابه في السفر و معاملوه في الأسواق فلا تشكّوا في صلاحه. و شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه رجل فأثنى عليه خيرا. فقال له عمر رضي الله عنه: أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله و مخرجه قال: لا قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال: لا قال: فعاملته بالدينار و الدرهم الذي يتبين به ورع الرجل قال: لا قال: أظنك رأيته قائما في المسجد يصلي يخفض رأسه طورا و يرفعه له زمرة بالقرآن قال: نعم. قال: اذهب فلست تعرفه فقال مرة: أنت القائل ما لا تعلم ثم قال للرجل: اذهب فأتني بمن يعرفك. و قد كال من سيرة السوقة فيما سلف أنه كان للبائع دفتران للحساب أحدهما ترجمته مجهول، فيه أسماء من لا يعرفه من الفقراء الضعفاء، و ذلك أنّ المسكين و الضعيف كان يرى المأكول فيشتهيه أو يحتاج إليه و لا يمكنه أن يشتريه فيقول للبائع: أحتاج إلى خمسة أرطال من هذا أو عشرة و ليس عندي ثمنه فيقول: خذ إلى ميسرة فإذا رزقت فاقض، و يكتب اسمه في الدفتر المجهول قال: و لم يكن من يفعل هذا من خيار المسلمين بل كان الخير من الباعة من لا يكتب اسمه في دفتره و لا يجعله دينا حتما عليه و لا مظلمة عنده، و لكن يقول: خذ حاجتك مما تريد فإن وجدت فاقضني و إن لم تجد فأنت في حل، لا تضيقن قلبك لذلك. و هذا طريق قد مات فمن قام به فقد أحياه فكان مثل هؤلاء في المتقدمين أكثر من أن يسعهم كتاب، و كان من ينصح دقائق النصح و شدد على نفسه غاية التشديد و سمح لإخوانه نهاية الجود أكثر من ذلك. و إنما ذكرنا هؤلاء لتنبيه الغافلين على أعمالهم و نكشف بعض ما عفا من طريقهم، و لم يكن هؤلاء المذكورون من السوقة من خيار الناس كلهم إنما كان الأخيار المسجدية العباد و النساك المنقطعون إلى الله الزهاد، فإذا حصلت كفاية السوقي في بعض يومه فليجعل بقيته لأخيه. فقد كان بعض السلف منهم من ينصرف من حانوته بعد صلاة الظهر و يجعل نصف يومه لربه، و منهم من ينصرف بعد العصر فيكون آخر يومه لآخرته. و كان بعضهم إذا حصلت كفايته في يومه و تأتي قوت عياله في أي وقت من نهاره غلق حانوته و انصرف إلى منزله أو مسجده يتعبد بقية يومه. و كان منهم من إذا ربح دانقا أو