قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٤ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
و روي عنه في فضل الاحتكار: من جلب طعاما ما فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق به. و في لفظ، آخر: فكأنما أعتق رقبة. و من العلماء من كان يجعل الاحتكار في كل مأكول من الحبوب و الأدام مثل العدس و الباقلاء و السمن و العسل و الشيرج و الجبن و التمر و الزيت. و يكره احتكار جميع ذلك. و روي نحو هذا عن ابن عباس في قوله عزّ و جلّ: وَ من يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ من عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]. قيل: الاحتكار من الظلم. و حدثونا عن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة و كتب إلى وكيله: مع هذا الطعام في يوم تدخل البصرة فلا تؤخره إلى غد. قال: فوافق السعر فيه سعة. قال له التجار: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافا فأخره جمعة فربح فيه أمثاله. و كتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا قد كنا قنعنا أن نربح الثلث مع سلامة ديننا و إنك قد خالفت أمرنا و قد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي فخذ المال كله فتصدّق به على فقراء أهل البصرة و ليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا عليّ و لا لي. و حدث شيخنا عابد الشط مظفر بن سهل قال: سمعت غيلان الخياط يقول: اشترى سري السقطي كرّ لوز بستين دينارا و كتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه، فصار اللوز بتسعين دينارا، فأتاه الدلّال فقال له: إنّ ذلك اللوز أريده. فقال: خذه. فقال: بكم؟ قال: بثلاثة و ستين دينارا. قال له الدلّال: إنّ اللوز قد صار الكرّ بسبعين دينارا. قال له السري: قد عقدت بيني و بين الله عقدا لا أحله لست أبيعه إلّا بثلاث و ستين دينارا. قال له الدلّال: و أنا قد عقدت بيني و بين الله عقدا لا أحله، أن لا أغشّ مسلما، لست آخذ منك إلّا بسبعين دينارا. قال: فلا الدلّال اشترى منه و لا سري باعه. و حدثونا عن رجل من التابعين كان بالبصرة له غلام بالسوس فجهز إليه السكر فكتب إليه الغلام: إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال: فاشترى سكّرا كثيرا. فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا. قال: فانصرف بها إلى منزله فأفكر ليله في الربح فقال: ربحت ثلاثين ألفا و خسرت نصح رجل من المسلمين. فلما أصبح غدا إلى الرجل الذي كان اشترى منه السكر فدفع إليه الثلاثين ألفا فقال: هذه لك بارك الله لك فيها. قال: و من أين صارت؟ قال: لما اشتريت منك، السكر لم آت الأمر من وجهه. إنّ غلامي قد كان كتب إليّ أنّ قصب السكر أصابته آفة فلم أعلمك ذلك و لعلك لو علمت لم تكن تبيعني. فقال: رحمك الله قد أعلمتني الآن، و قد طيبتها لك. قال: فرجع إلى منزله فبات تلك الليلة ساهرا أو جعل يتفكر في ذلك و يقول: لم آت الأمر من وجهه و لم أنصح مسلما في بيعه لعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد فقال: عافاك الله خذ مالك فهو أصلح لقلبي. قال: