قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٠ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
الواحد بدابة واحدة فيكون فيها بلاغ إلى حين، ذلك تقدير العزيز العليم و إتقان صنع المنعم الحكيم. و قد شرط الله تعالى مع الزوجة ثلاثة شروط، إن وجدت تمّت بهن كفاية العبد و سكنت بها نفسه، و كان ذلك من آيات الله الدالة عليه، و إن لم توجد الشروط الثلاثة مع الإحدى، كان له المزيد عليها إلى الرباع، و كن في المعنى كالآحاد لعدم الشروط التي أخبر الله عزّ و جلّ بسكون النفس عندها، و عند الأربع توجد الشروط في قلوب المؤمنين لا محالة كما أخبر عزّ و جلّ، و كان ذلك أيضا من آياته و حكمته الدالة عليه فقال سبحانه: وَ من آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً [الروم: ٢١]. فإن وجد العبد سكون النفس و رحمة القلب و مودة المرأة في الواحدة، فهو من آيات الله عزّ و جلّ و هي كفايته و غنيته، و إن لم يجد السكون و لا الرحمة و لا المودة إلّا في الأربع، فهن حينئذ كفايته و قنيته. و الله تبارك و تعالى يغني بالواحدة و يقني بالأربع، أي يجعل غنيا و يجعل قنية جماعة و مدخرا، و ذلك أيضا من آيات الله تعالى و اختياره لمن قوي عليه و استقام به. و قد شبه بعض الناس الأزواج بالقمص فقال: ليس من السرف أن يجمع الرجل أربعة أقمصة، و ما زاد على ذلك كان سرفا. كما أنّ الله عزّ و جلّ أمر بالجمع بين الأربع من النساء، و يصلح أن يستدل له بقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧]. فجعلهن في معنى الملبوس و رفع فيهن إلى الأربع و في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من النِّساءِ [النساء: ٣]. ثم ابتدأ فنص على مثنى و لم يقل: إحدى على الندب و الاستحباب للجمع بين اثنين، و إنّ العدل قد يوجد و يقدر عليه معهما، ثم رد إلى الواحدة لمن خاف الجور فيهن فقال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: ٣]. ففي دليل الخطاب اشتراط العدل في الأربع، ثم ذكره بقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: ٣]. يعني أقرب أن لا تجوروا. و قد قال بعض الفقهاء من أهل الحجاز و اللغة: لا تعولوا، أي لا تكثر عيالكم. و الأول أحب إليّ، لأنه أشبه بالقرآن كأنه عطف على النص لما قال: أن لا تعولوا. قال: ذلك أدنى أن لا تجوروا، و الأول أحب إليّ، و يصلح هذا الوجه أيضا في اللغة من قال: عال يعول، بمعنى أعال يعيل، و أكثر العرب فرقت بين ذلك يقولون: عال يعول إذا جار، و أعال يعيل من العيلة إذا كثر عياله، و شاذ نادر من يجعلها لغتين بمعنى فليتوخّ العدل بين أزواجه، من جمع بينهن في النفقة و الكسوة و المبيت، و لا يحيف على بعض فيقصر عن كفايتها و واجبها في ذلك. فقد جاء في الحديث: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، و في لفظ آخر، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة و أحد شقيه مائل و لا عدل عليه في المحبة