قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٦ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و صدق نياتهم. و إن أعظم الحسرة من خرج من الدنيا و لم يؤاخ أخا في الله عزّ و جلّ، فيدرك بذلك فضائل المؤاخاة و ينال به منازل المحبين عند الله تعالى، و من أشد الناس وحشة في الدنيا من لم يكن له خليل يأنس به و صديق صدق يسكن إليه، كما قال عليّ عليه السلام: و غريب من لم يكن له حبيب و لا يوحشنك من صديق سوء ظن. و أنشد بعض الشيوخ لبعضهم: و ليس غريبا من تناءت دياره و لكن من يجفي فذاك غريب و من كان ذا عهد قديم و ذا وفا فلو جاوز السدين فهو قريب و قيل لسفيان الثوري: بمن تأنس فقال: بقيس بن الربيع، و ما رأيته منذ سنتين. و كان بعضهم يقول: أنا بمودة من غاب عني من بعض إخواني أوثق مني بمودة من يغدو علي و يروح في كل يوم مرتين، و قال محمد بن داود: قرب القلوب على بعد المزار خير من قرب الديار من الديار، و ليتّق أن يعاشر أخاه بخمس خصال، فليست من الأدب و لا المروءة: أولها أن لا يلزمه بما يكره مما يشق عليه، و الثانية أن لا يسمع فيه بلاغة و لا يصدق عليه مقالة، و الثالثة أن لا يكثر مسألته من أين تجيء و إلى أن تذهب، و أن لا يتجسس عليه و لا يتحسس عنه، و الفرق بينهما أنّ التجسس يكون في قفو الآثار، و التحسس يكون في تطلع الأخبار. فقد روينا كراهة هذه الخمس في سيرة السلف. و قال محمد بن سيرين: لا تلزم أخاك بما يشق عليه، و قال مجاهد إذا رأيت أخاك في طريق فلا تسأله من أين جئت و لا أين تذهب فلعله أن يصدقك في ذلك أو يكذبك، فتكون قد حملته على الكذب. و روينا أنّ حكيما جاء إلى حكيم فقال: جئتك خاطبا إليك مودتك فقال: إن جعلت مهرها ثلاثا فعلت قال: و ما هن قال: لا تخالفني في أمر، و لا تقبل عليّ بلاغة، و لا تعطين في رشوة فقال: قد فعلت قال: قد آخيتك، و أما التجسس و التحسس فقد نهى الله و رسوله عنهما، و جعلهما رسول الله صلى الله عليه و سلم من شرط الأخوة مع ترك التدابر و التقاطع. فقد روينا في الخبر السائر: لا تجسسوا و لا تحسسوا، و لا تقاطعوا و لا تدابروا، و كونوا عباد الله إخوانا. المقاطعة في الشهادة أن تقطع مواصلته، و تنحرف عن جريان عادته، و التدابر في الغيب مأخوذ منه إذا ولاك الدبر أي لا تدابره إلّا بما يحب، كما تكون له في المقابلة كما أخذت الغيبة من الغيب أي لا تخلفه في غيبه بما يكره، و قد كان الإخوان يتباينون على العلوم و الأعمال، و على التلاوة و الأذكار و بهذه المعاني تحسن الصحبة، و تحق المحبة. و كانوا يجدون من المزيد من ذلك و النفع به في العاجل و الآجل، ما لا يجدونه في التخلي و الانفراد من تحسين الأخلاق، و تلقيح العقول، و مذاكرة العلوم، و هذا لا يصح إلّا لأهله، و هم أهل سلامة الصدور و الرضا بالميسور مع وجود الرحمة، و فقد