قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٩ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
الثواب في الأهل و القرابات. و روي عن عليّ عليه السلام: لعشرون درهما أعطيها أخي في الله عزّ و جلّ أحبّ إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين، و قال أيضا: لأن أصنع من طعام و أجمع عليه إخواني في الله عزّ و جلّ أحبّ إلى من أن أعتق رقبة. و أوصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني ادخل بين الأعداء و لا تدخلن بين الأصدقاء. قال: و كيف ذلك قال: الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة و الدخول بين الأصدقاء يورث العداوة، و لا ينبغي للأخ أن يخون أخاه في غيبه بما يكره إن كان ذلك في شيء مباح إذا كرهه، و لا ينكر عليه ما لا يقوم في علمه إذا فعله إن كان أخوه أعلم منه، أو كان له وجه يخرج عليه، و لا ينبغي أن يكذبه في أمره و لا يفشين له سرّا، و لا يعرضنه لغيبة و لا نميمة، و لا يحوجه إلى مداراة، و لا يلجأ إلى اعتذار، و لا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما لا يحبه هو منه. و قال العباس لابنه عبد الله: إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقدمك على الأشياخ و يقربك دونهم فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشين له سرّا، و لا تغتابن عنده أحدا، و لا يجربن عليك كذبة. و في بعض الروايات: و لا تعصين له أمرا، و لا يطلعن منك على خيانة. قال: فقلت للشعبي و قد رواه: كل كلمة خير من ألف قال: كل كلمة خير من عشرة آلاف، و أفشى بعضهم إلى أخيه سرّا ثم قال له: حفظت قال: بل نسيت و قيل لبعض الأدباء كيف حفظك السرّ قال: أنا قبره و قيل لآخر كيف تحفظ السرّ فقال: أجحد المخبر و أحلف للمستخبر، و من أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له، دخلوا على عبد الله بن المعتز فاستنشدوه شيئا من شعره في حفظ السرّ، فأنشدهم على البديهة: و مستودعي سرّا تبوأت كتمه فأودعته صدري فصار له قبرا قال فخرجنا من عنده، فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين جئنا فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السرّ، فاستوقفنا ثم أطرق مليّا ثم قال اسمعوا قولي: و ما السرّ في صدري كثاو بقبره لأني أرى المقبور ينتظر النشرا و لكنني أنساه حتى كأنني بما كان منه لم أحط ساعة خبرا و لو جاز كتم السرّ بيني و بينه عن السرّ و الأحشاء لم يعلم السرّا و قال عليّ عليه السلام: شر الأصدقاء من أحوجك إلى مداراة، و ألجأك إلى اعتذار، و قال أيضا: شرّ الأصدقاء من تكلف له، و قال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ما لا يفعله كل واحد منهما في منزله، فيحشمه ذلك من الرجوع