قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٧ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
أبي هريرة فقال: إني أريد أن أواخيك في الله عزّ و جلّ، فقال: أ تدري ما حق الإخاء قال: عرفني، قال: لا تكون بدرهمك و دينارك أحقّ مني، قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد، قال: فاذهب عني. و قال عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: الرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه، فيأخذ منه ما يريد من غير إذن قال: لا. قال: فلستم بإخوان. و دخل قوم على الحسن فقالوا له: أ صلّيت يا أبا سعيد، قال: نعم قالوا: فإن أهل السوق لم يصلّوا بعد، فقال: و من يأخذ دينه عن أهل السوق. بلغني أنّ أحدهم يمنع أخاه الدرهم. و قال محمد بن نصر: جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم و هو يريد بيت المقدس فقال له: إني أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم: على أن أكون أملك بشيئك منك قال: لا. قال: فأعجبني صدقك. و قال موسى بن طريف: كان إبراهيم بن أدهم إذا رافقه رجل لم يخالفه، و كان لا يصحب إلّا من يوافقه. و بلغني أنّ رجلا شراكا صحبه في سفر فأهدى إلى إبراهيم قصعة من ثريد في بعض المنازل، فأراد أن يرد القصعة فأخذ جراب رفيقه ففتحه، و أخذ حزمة من شرك فجعله في القصعة، ثم دفعها إلى صاحب الهدية، فلما جاء رفيقه قال: أين الشرك؟ قال: تلك القصعة الثريد التي أكلتها أي شيء كانت، قال: فكنت تعطيه شراكين ثلاثة قال: اسمح يسمح لك. و بلغني أنه أعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه لرجل رآه راجلا، فلما جاء رفيقه سكت فلم يكره ذلك. و قد روي عن عون بن عبد الله قال: قال ابن مسعود: لا تسأل امرأ عن ودّه إياك، و لكن انظر ما في قلبك فإن في قلبه لك مثل ذلك. و قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: مروءة الحضر الإدمان إلى المساجد و كثرة الإخوان في الله عزّ و جلّ، و مروءة السفر بذل الزاد و قلّة الخلاف على إخوانك و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من طريق أهل البيت قال: ثلاثة من المروءة في الحضر: تلاوة كتاب الله عزّ و جلّ، و عمارة مساجد، و اتّخاذ الإخوان في الله تعالى، فمن فضل المؤاخاة في الله تعالى أنه قرنها بتلاوة كتابه و عمارة بيوته، و قد جعل الاختلاف إلى المسجد سبب اجتلاب الإخاء. و في حديث ابن عباس و الحسن بن عليّ: من أدمن الاختلاف إلى المسجد، أصاب إحدى خمس خصال أخا مستفادا في الله عزّ و جلّ. و قال أبو عيينة و قد أنشد هذا البيت: وجدت مصيبات الزمان جميعها سوى فرقة الإخوان هينة الخطب فقال: لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة، ما تخيل لي أنّ حسرتهم ذهبت من قلبي. و قال بعضهم ما هدني شيء ما هدني موت الأقران. و يقال: إذا مات صديق الرجل فقد فقد عضوا من أعضائه و أنشدونا عن العتبي: