قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٢ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و التقوى، و ألفة في الدين. و قال بعضهم: استكثر من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك. و كانوا يأمرون بالأخوة و يتحاضون على الألفة، و يقال: إذا غفر للعبد شفع في إخوانه. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى: وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ من فَضْلِهِ [الشورى: ٢٦]. قال: يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم. و ممن مال إلى هذا الطريق: ابن المسيب و الشعبي، و ابن أبي ليلى و هشام بن عروة، و ابن شبرمة و شريح و شريك بن عبد الله، و ابن عيينة و ابن المبارك، و الشافعي و أحمد بن حنبل، و من وافقهم. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: أنّ أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون و يؤلفون. و روينا عنه صلى الله عليه و سلم: المؤمن مألوف و لا خير فيمن يألف و لا يؤلف، و قد قيل: أول ما يرفع من هذه الأمة. الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة. و في الخبر: من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا، إن نسي ذكره و إن ذكر أعانه. و روينا في خبر مثل الأخوين: إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، و ما التقى مؤمنان إلّا أفاد الله عزّ و جلّ أحدهما من صاحبه خيرا. و روينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: من آخى أخا في الله عزّ و جلّ، رفعه الله عزّ و جلّ درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله. و يقال إنّ الأخوين في الله عزّ و جلّ إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر، رفع الآخر معه إلى مقامه، و أنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين، و الأهل بعضهم ببعض، لأن الأخوة عمل كالولادة. و قد قال الله سبحانه بعد قوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْءٍ [الطور: ٢١]. أي و ما نقصناهم. و قال تعالى مخبرا عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته: فَما لَنا من شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠- ١٠١]. و معنى حميم أي هميم، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره، ففيه دليل أنّ الصديق لك هو المهتم بك، و إنّ الاهتمام حقيقة الصداقة. و روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم: المؤمن كثير بأخيه، و عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح، و قال أيضا: إذا رأى أحدكم ودّا من أخيه فليتمسك به، فقلما تصيب ذلك. و قد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا: ما نالت النفس على بغية ألذّ من ودّ صديق أمين من فاته ودّ أخ صالح فذلك المقطوع منه الوتين و قد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقّا يقين. و روينا في الأخبار السابقة إنّ الله تبارك و تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا ابن عمران كن يقظان و ارتد لنفسك