قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٠ - الفصل الثالث و الأربعون فيه كتاب حكم الإمام و وصف الإمامة و المأموم
كانوا في القراءة سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنّا، فلذلك الأمر الرجل أحق بالإمامة إذا كان في منزله إلّا أن يأذن، و استحب للإمام إذا سلم أن يسرع الانفتال بوجهه إلى الناس، و أكره للمأموم القيام قبل انفتال إمامه. فقد روينا في ذلك سنّة حسنة عن طلحة و الزبير، أنهما صلّيا في البصرة خلف إمام، فلما سلّما قالا للإمام: ما أحسن صلاتك و أتمّها، كما كنا نصلّي الأشياء، واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك، ثم قالوا للناس: ما أحسن ما صلّيتم إلّا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم، و من كرهه جيرانه أو كرهه من وراءه من المأمومين فلا يحل له أن يتقدم، فإن اختلفوا فكرهه قوم و أحبه آخرون. نظر إلى أهل الدين و العلم منهم فحكم بقولهم و لا يعتبر الأكثر إذا كان الأقلون هو الأخير، و لا يصلّي خلف مبتدع، فمن صلّى خلف مبتدع و لا يعلم فليعد، و من سمع الأذان من مسجد و هو في طريق يمشي فليدخل فليصلّ، و لا يؤخر إلى مسجد آخر إلّا لأحد معنيين: أن يكون على يقين من لحوق إمام آخر أفضل من هذا، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق، و إلّا فالصلاة مع أوّل من قام بها من المسلمين أفضل. و في الخبر: لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد، و في جار المسجد قولان: أحدهما من سمع الأذان و روي هذا عن عليّ عليه السلام، و الثاني من كان بينه و بين المسجد ثلاث دور و هو الرابع، و التشديد في ترك الجماعة على من سمع التأذين، و من كان في جنبه مسجدان فأولاهما بالصلاة فيه أقربهما منه، و هذا مذهب الحسن إلّا أن يكون له نية في كثرة الخطا إلى الأبعد، أو يكون إمام الأبعد هو الأفضل. و قيل: أقدمهما. و روي هذا عن أنس بن مالك و بعض الصحابة، أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى العتق، و من كان مأموما فلا يقرأ سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلا و لا يقرأ الحمد أيضا إلّا في سكتات الإمام و إن قطعها، فإن لم يكن للإمام سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به الإمام، و كان ما عليه من وزر قراءته في قراءة الإمام على إمامه، لأنه قد نقص صلاته و ترك ما عليه. فاللَّه عزّ و جلّ حسيبه، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد و سورة إذا أمكنه و لا بدّ من قراءة الحمد وحدها. و استحب للإمام أن يتحول إذا صلّى المكتوبة فلا يصلّي في موضعه نافلة. ففي الخبر: أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سلم وثب، و كان أبو بكر رضي الله عنه إذا سلم وثب، و كان عمر رضي الله عنه إذا سلم وثب، و في الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلّا قدر قوله: اللّهم أنت السلام و منك السلام، تباركت و تعاليت يا ذا الجلال و الإكرام، ثم ينصرف. و إن تحول المأموم فصلّى النافلة في غير مكان الفريضة و لو بقدم فحسن، ففي ذلك أثر، فإن جلسا قليلا للتسبيح و الدعاء فلا بأس، و هذا آخر كتاب الإمامة.