قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
و كوى آخر، و قال لعلي رضي الله عنه، و كان رمد العين: لا تأكل من هذا يعني الرطب، و كل من هذا فإنه أوفق لك، يعني سلقا قد طبخ بدقيق أو شعير. و قد تداوي رسول الله صلى الله عليه و سلم في غير حديث من العقرب و غيرها. و روي أنه كان إذا نزل عليه الوحي صدع رأسه فكان يغلفه بالحناء. و في الخبر أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء: و هو أعلى المتوكلين، و أقوى الأقوياء، فإن قيل إنما تداوي لغيره، و ليسن ذلك، قلنا: فلا نرغب عن سنّته، و لا نزهد في بغيته، إذا كان فعل ذلك لنا، لئلا يكون فعلا لغوا، و تكون الرغبة عن سنته إلى توهم حقيقة التوكل طعنا في الشرع. و قد كان صلى الله عليه و سلم ظاهرة للخلق ليقتفوا آثاره، من ذلك أنه صام في السفر في شدة الحرّ، فكان يصب على رأسه الماء، و يستظل بالشجر، ليسن بذلك الرخصة في التبرد بالماء للصائم، فقيل له: إن قوما صاموا و قد شق عليهم، فدعا بقدح فيه ماء فشرب، فأفطر الناس فترك حاله صلى الله عليه و سلم لأجلهم، فقيل له: إنّ قوما لم يفطروا فقال: أولئك العصاة. و المعنى الثاني الذي يفضل به المتداوي، أنّه يحب سرعة البرء للطاعة و لخدمة مولاه، و السعي في أوامره، إذ كانت العلل قاطعة عن التصرف في العمل و مشغلة للنفس عن الشغل بالآخرة. و ذكر بعض علمائنا أنّ موسى عليه السلام اعتلّ علّة، فدخل عليه بنو إسرائيل، فعرفوا علّته، فقالوا: لو تداويت بكذا لبرأت، فقال: لا أتداوى حتى يعافيني هو من غير دواء، قال: فطالت علّته، فقالوا له: إنّ دواء هذه العلّة معروف مجرب و إن تتداو به تبرأ، فقال: لا أتداوى. فدامت علّته، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: و عزّتي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك، فقال لهم: داووني بما ذكرتم فداووه، فبرأ فأوجس في نفسه من ذلك. فأوحى الله إليه أردت أن تبطل حكمتي لتوكلك على من أودع العقاقير منافع الأشياء. و في بعض الأخبار: شكا نبي من الأنبياء إلى الله علّة يجدها، فأوحى الله إليه: كل البيض. و في خبر آخر إنّ نبيّا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى الضعف فأوحى الله إليه: كل اللحم باللبن فإنّ فيهما القوّة. قال الشيخ أحسبه الضعف عن الجماع. و ذكر وهب بن منبه أنّ ملكا من الملوك اعتلّ علّة و كان حسن السيرة في أهل مملكته، فأوحى الله تعالى إلى شعياء النبي صلى الله عليه و سلم قل له: اشرب ماء التين فإنه شفاء من علّتك. و قد روينا أعجب من ذلك أنّ قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم، فأوحى الله تعالى إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبالى السفرجل، فإنه يحسن الولد، فقد كانوا يطعمون الحبالى السفرجل و النفساء الرطب، و هذا و الله أعلم يكون في الشهر الثالث و الرابع من حملها، و على ذلك كله فإنّ ترك التداوي أفضل للأقوياء، و هو من عزائم الدين، و طريقة أولي العزم من الصدّيقين، لأن في الدين طريقين: طريق تبتل و عزيمة، و طريق توسع و رخصة، فمن