قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٩ - الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار
ليلة، و في الحديث: أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسلمين جائعا فقد برئت منهم الذمة. و كان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن، فقال: كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة. قال: فيخرجون إليّ طعاما فآكل شبعي و أترك ما بقي. و المسافر هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال، لأن السبيل هو الطريق، و راكبها ابنها، لأنه صاحب طريق و سالكه. و ليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء، لأنه مقيم على ما أبيح له. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الضيافة ثلاثة، فما زاد فهو صدقة، فلا يقيمنّ فوق ثلاث. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال: و لا يقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه. و تأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة، أي مروه لا مندوب إليه، و لا مأمور به، فإن اختار الصدقة و لم ينزّه نفسه عنها فهو أعلم، أي و ما كان في الثلاث فهو حقّ له و واجب على مضيفه، فإن سألوه الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك. و قد تأول بعض الصوفية قول النبي صلى الله عليه و سلم: فما زاد فوق ثلاث فهو صدقة، إنه صدقة على أصحاب المنزل من الضيف، تصدّق عليهم لإقامته، لأنه مثوبة لهم، و لا يعجبني هذا التأويل، و ليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة و جميل أداء، و ليحفظ قلبه أن يتشتت، فإن السفر قد يشتّت همّ المريد، و يجمع همّ العارفين، و يشغل قلوب الضعفاء، و يروح قلوب الأقوياء، و هو محنة و كشف لأخلاق العبد، و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكّى عنده رجلا لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا. قال: ما أراك تعرفه. و عن بعض السلف: إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر و رفقاؤه في السفر فلا تشكّوا في صلاحه إذ ذاك، لأنّ السفر يسيء الأخلاق، و يكثر الضجر، و يخرج مكامن النفس من الشحّ و الشره. و كل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر، و ليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب في السفر. و قال بعض السلف: ثلاثة لا يلامون على الضجر، الصائم، و المريض و المسافر، و لا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة، الركوة، و الحبل، و الإبرة بخيوطها و المقراض، و كان الخواص من المتوكلين، و لم تكن هذه الأربعة تفارقه. و كان يقول: ليست من الدنيا. و بعض الصوفية كان يقول: إذا لم يكن مع الفقير ركوة و حبل دلّ ذلك على نقصان دينه، و كان جماعة من أرباب القلوب و أهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة و إيثارا للقلة و الذلة. و قالوا: لا يخلو المؤمن من قلّة أو علّة أو ذلّة، و كانوا إذا خافوا الاستشراف إلى