قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٣ - ذكر أخبار جاءت في التقلل و الحمية و ذم البطنة
حصين عن خالد بن مسعود قال أبو بكر المروزي: دخلت على أبي عبد الله و قد حذق ابنه قد اشترى جوزا يريد أن يعده على الصبيان يقسمه عليهم و كره النثر و قال: هذه نهبة. و قال هاشم بن القاسم: حدثنا محمد قال: كان طلحة و الزبير يكرهان النثر في كل شيء في العرس و في الحذاق و غيرهما من الجوز و السكر. قال: و سألت أبا عبد الله عن قرض الرغيف و الخمير فلم ير به بأسا آخر الزيادة في الجديد. و من الأصل الأول خمسة لا تجاب دعوتهم و إن دعي رجل و لم يعلم ثم علم فلا حرج عليه، أن يخرج من بيته المبتدع، و أعوان الظلمة، و آكل الربا، و الفاسق المعلن بفسقه. و من كان الأغلب على ماله الحرام و لم يكن يردع عن الآثام في معاملته الأنام لأنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: لا تأكل إلّا طعام تقي و ذاك لأن التقي قد كفاك الاجتهاد في المأكول للتقوى فأغناك عن السؤال عنه، لأن التقي إذا أطعمته استعان على الطعمة على البرّ و التقوى فتصير معاونا له عليها، كما قال تعالى، فيشركه في برّه و الفاجر و الظالم إن أكلت طعامهما صرت من أعوان الظلمة بمشاركتك لهما في الطعمة. كما سأل خياط بن المبارك فقال: إني أخيط لبعض وكلاء هؤلاء يعني الأمراء فهل يخاف أن أكون من أعوان الظلمة؟ فقال: لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة. أعوان الظلمة من يبيع منك الخيوط و الإبر. و قد عمل ذو النون المصري أغمض من هذا الورع، و ما سمعت أدق منه. إن السلطان لما سجنه في كلام أنكره عليه العامّة من العلم الغامض كانت المائدة من قبل السلطان تختلف إليه فلم يكن يطعم منها شيئا، و لم يأكل أياما كثيرة مدة مقامه في السجن، فكانت له أخت قد آخته في الله تعالى تبعث إليه من مغزلها و تدفعه إلى السجّان فيحمله إليه و يعرفه أنه من قبل تلك العجوز الصالحة، فلم يأكل أيضا منه، فلما خرج لقيته العجوز فعاتبته على ردّ الطعام و قالت: قد علمت أنه كان من مغزلي؟ فقال: نعم، إلا أنه جاءني على طبق ظالم فرددته لأجل الظرف يعني بهذا يد السجان. و لعمري أنّا روينا عن عليّ عليه السلام أنه أهدى له دهقان بالكوفة في يوم عيد لهم خبيصا على جام من ذهب يكره بذلك، فردّه و لم يأكل منه. قال: رددته لأجل ظرفه الذي كان فيه. و قيل: من أكل لقمة من حرام قسا قلبه أربعين يوما. و يقال: أظلم قلبه. و من أكل الحلال أربعين يوما زهد في الدنيا و أدخل الله تعالى في قلبه و أجرى الحكمة على لسانه. و قال بعض السلف: أوّل لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر الله تعالى له بها ما تقدم من ذنبه. و قال الآخر: من أقام نفسه مقام ذلّ في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء. و كان سهل يقول في السائحين في الأمصار و المنقطعين بالأسفار: إنّ الرجل ليدخل قرية فيجوع، و لا يقدر على الشبهات فلا يأكل، و يبيت تلك الليلة جائعا،