قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٩ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
أهل البيت في أنفسهم رجوع شيء منه، و إلّا كان ما يقدمه مما ينوي رجوع بعضه، و لا يحبّ أكل كله تصنّعا و مباهاة، فإن علم بذلك من قدم إليه لم استحب له في الورع في أن يأكل منه لأن المأكول إذا قدّم ليؤكل بعضه فهو تصنّع و تزيّن، لا يصنع الورعون ذلك و لا يأكل المتّقون من هذا، لأنه لا يدري كم مقدار ما يحبون أن يأكلوا منه. و روينا عن ابن مسعود قال: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه، و قد كره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة و المباداة، و هذا مكروه لم يقدمه بهذه النية إلى إخوانه لأنه قد عرضهم لتناول ما يكرهون، و قد دلس عليهم ما لا يعلمون، و أيضا فإنه شيء قد قدّم لأجل الله تعالى فلا يصلح أن يستثنى ارتجاع شيء منه بمنزلة من يخرج الرغيف أو الشيء إلى السائل فيجده قد انصرف فكره أن يرجع فيه فيأكله، و قال: يعزله حتى يأتي سائل آخر فيدفعه إليه. و كان بعض أهل الحديث إذا أكل مع إخوانه ترك من الطعام على رغيف يعزله معه و كان سيّار بن حاتم إذا حضر على مائدة أكل لقيمات، ثم يقول: اعزلوا نصيبي. و أكل ذات يوم على مائدة في جماعة فلما جاءت الحلوى نزع قلنسوته، ثم قال: اجعلوا نصيبي في هذه. فينبغي أن يعزل أنصبة أهل البيت قبل تقديم الطعام إلى إخوانه كيلا يحدثوا نفوسهم برجوع شيء منه فإنه مكروه لهم، و لعله لا يرجع شيء منه فيكون ذلك إحراجا من الآكلين و منقصة لهم، و هذا عليهم أشدّ من إكرامهم بالطعام، أن يكون ذلك مضرّا بالأهل فيكون مضيعا للأصل، و لا ينبغي له أن يقدّم إلّا ما يحبّ أن يأكلوه من كل شيء أيضا و مقدار الحاجة و الكفاية من المأكول فيجمع بين السنّة و الفضيلة. روي في الخبر: ما رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فضلة طعام قط، هذا لأنهم كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم، و لا يأكلون إلّا بعد جوعهم، و لا يتركون الأكل و في نفوسهم منه شيء و للاقتصار الذي كان فيهم، ففيما ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنّة، و في تقديم المأكول ليرجع أكثره نية حسنة، لما جاء فيه: أن من أكل ما فضل من الإخوان لم يحاسب عليه، و من كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم من يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل نفسه، و إذا حضر الطعام و الصلاة فإن كانت نفوسهم تتوق إليه و في الوقت سعة قدموا الأكل و إن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم الأكل صلّوا أوّلا و استحبّ الأكل على الأرض. كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض و كان يأكل مقعيا على قدميه و يقول: لا آكل متكئا، إنما أنا عبد آكل كما يأكل