قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧١ - تفسير قوله نية المرء خير من عمله
بفساد نيّاتهم، و صارت همتهم بدنياهم و هواهم سبب حرمان ثواب المخلصين للَّه بحسن نياتهم، و طلب آخرتهم، و كان ذلك في الآخرة حسرة عليهم في الدنيا و شيئا لهم. و في حديث ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوّج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس. و قال أبو داود: هذا الحديث ربع العلم. و ذلك أنه قال: جمعت السنن الصحاح في حديث النبي صلى الله عليه و سلم فكانت أربعة آلاف حديث. ثم قال: قد أمررتها على أربعة أحاديث، كل حديث ربع العلم. قال: و هذا الحديث أوّلها، و إنما قال ذلك لأنه فرض الفروض لا يتمّ فرض إلّا به. و كذلك جاء في الخبر: أنّ رجلا قتل في سبيل الله عزّ و جلّ فكان يدعى قتيل الحمار، و ذلك أنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه و حماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته. و في حديث أبي عبادة عن النبي صلى الله عليه و سلم: من غزا و هو لا ينوي إلّا عقالا فله ما نوى. و قال: إني استعنت رجلا يغزو معي. فقال: لا حتى تجعل لي جعلا: فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال له: ليس له من دنياه و آخرته إلا ما جعلت له. و روينا في الإسرائيليات أنّ رجلا مرّ بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس. قال: فأوحى الله تعالى إلى نبيّهم أن قل له: إنّ الله تعالى قد قبل صدقتك و قد شكر حسن نيتك و أعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به. و في أخبار كثيرة: من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. و في حديث عبد الله بن عمر: من تكن الدنيا نيّته جعل الله فقره بين عينيه و فارقها أرغب ما يكون فيها، و من تكن الآخرة نيته جعل الله غناه في قلبه و جمع عليه ضيعته و فارقها أزهد ما يكون فيها. و حديث أم سلمة ذكر النبي صلى الله عليه و سلم جيشا يخسف بهم في البيداء فقلت: يا رسول الله يكون فيهم المكره و الأجير. فقال: يحشرون على نياتهم. و في حديث عمر مثله: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إنما يقتتل المقتتلون على النيّات. و في حديث فضالة: من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها. و كذلك قال في الخبر: إذا التقى الصّفات نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا، فلان يقاتل عصبية إلّا فلانا يقولون قتل فلان في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى. و عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: يبعث كل عبد على ما مات عليه، و في حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه أراد قتل صاحبه، و النية عند قوم الإخلاص بعينه، و عند آخرين الصدق، و عند الجملة أنها صحة العقد و حسن القصد، و هي عند الجماعة من أعمال القلوب مقدمة في الأعمال و أوّل كل عمل. و قد قال الله تعالى: