قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٠ - فصل
مستنزلة، أو علما مستظرفا، أو كلمة تدلّه على هدى أو تصرفه عن ردى، أو ترك الذنوب خشية أو حياء منه. فإخلاص النية هو بخروج أضدادها من القلب و عن القصد و الهمة و إن كثر أعداده لتنفرد النية بقصدها، و يخلص العمل بانفراد النية لوجه الواحد الفرد المقصود بها. يروى عن بعضهم قال: غزوت في البحر فعرض بعضنا مخلاة فقلت: أشتريها و انتفع بها في غزاتي، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها. فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأنّ شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه: أكتب الغزاة فأملي عليه. أكتب: خرج فلان متنزها و فلان مرائيا و فلان تاجرا و فلان في سبيل الله، ثم نظر إليّ فقال: أكتب: خرج فلان تاجرا. فقلت: الله الله في و الله ما خرجت أتجر و لا معي تجارة أتجر فيها، ما خرجت إلّا للغزو. فقال لي: يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت و قلت لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه و قال: ما ترى؟ فقال: أكتب: خرج فلان غازيا إلّا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عزّ و جلّ فيه ما يرى. فصل و من المناقص المشبهة للفضائل الملتبسة على الأفاضل، لشهرة فضلها و روعة الهموم للدخول فيها، و التصبر عليها، و هي منكشفة للعلماء باللَّه تعالى: ما روي أنّ رجلين تآخيا في الله عزّ و جلّ بعد رفع عيسى بن مريم إلى السماء فترهب أحدهما و هو سرجس و لزم أخوه الآخر الجماعة و المساجد و مخالطة الناس، و كان أعلم منه باللَّه عزّ و جلّ، و كان يلقى أخاه سرجس فيقول: يا أخي إنّ هذا الأمر الذي دخلت فيه بدعة، و إنّ عليك فيه رعاية لا تقوم بحقها، و إنه ليس للَّه فيه رضا. فلو دخلت معي في الجماعة و الإلفة كان ذلك للَّه تعالى رضا و أصبت السنّة، فكان المترهب يعرض عنه و لا يعبأ برأيه و يقول له: إنك قد ركنت إلى الدنيا و أنست بالخلق. فلما أعياه قال له: فاجعل فطرك عندي الليلة حتى يتبين ذلك ففعل فقدم إليه فرخين شواهما و قال له: تعالى حتى نجعل هذين الفرخين قاضيين بيننا قال: حتى يدعو الله كل واحد منا. فمن كان سيرته و هديه أحبّ إلى الله و رسوله يبعث بدعائه هذين الفرخين حتى يطيرا حيّين. قال: نعم فادع أنت. فدعا الراهب فقال: اللّهمّ إن كان هذا الأمر الذي دخلت فيه أريد به رضاك أقرب إلى الحق مما يدعوني إليه أخي هذا فابعث هذين الفرخين إليّ قال: فلم يجب. فقال الآخر: اللّهم إن كان هذا الأمر الذي تمسكت به و خالفت فيه هذا و أصحابه أقرب إلى الحق و أرضاهما عندك مما يدعوني إليه، أخي هذا من الاعتزال و الفرقة للجماعة. فابعث لي هذين الفرخين قال: فصارا حيّين فطارا بإذن الله تعالى فعلم الأخ أنّ ذلك ليس للَّه رضا