قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٦ - ذكر الاستثناء في الإيمان و الإشفاق من النفاق و طريقة السلف في ذلك
و عدم بعض شعب الإيمان من القلب. كيف و قد جاء في الخبر: أكثر منافقي أمتي قراؤها. و الحديث الآخر: الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا. و قال حذيفة: كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يصير بها منافقا إلى أن يموت: إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات. و في حديث عليّ كرّم الله وجهه: أنّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نما و زاد حتى يبيضّ القلب كله، و أنّ النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهكت الحرمات نمت و زادت حتى يسوّد القلب فيطبع عليه، فذلك الختم. ثم قال تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فهذا كله موجب للاستثناء في الإيمان خشية خفايا الشرك و وجود دقائق النفاق و خوفا من الدعوى للحقيقة و الكمال، لأن من قال: إني مؤمن حقّا فقد زكى نفسه و عصى ربه، لأن الله تعالى نهى عن الزكية للنفس. و عرض المزكي نفسه للكذب في قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. و بقوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ الله يُزَكِّي من يَشاءُ [النساء: ٤٩]. ثم قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ [النساء: ٥٠]. و قد قال إبراهيم عليه السلام في تفسير أحد الوجهين من قوله تعالى: وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ به إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً [الأنعام: ٨٠]. و مثله قال شعيب: و ما يكون لنا أن نعود فيها، يعني ملة الكفر، إلّا إن يشاء الله ربنا، ثم علّلا جميعا بسعة العلم و سبق المشيئة به فلم يأمنا أن يكونا في سعة علم الله عزّ و جلّ و في خفيّ مشيئته، و هذا هو خوف المكر. و حقيقة المكر معنيان، أحدهما أن يظهر شيئا و يخفي ضده، و الثاني أن يكشف ما كان ستره و يفشي ما كان أسره بعد الطمأنينة و العزة. و الأنبياء مع فضلهم و مكانهم يستثنون في الكفر خيفة المكر، و لا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان و يغترّ بظاهر أمره، بل ينبغي أن يستثني في الإسلام أيضا و في جميع أعمال البرّ، لأن القبول غير العمل و السابقة غير ما ظهر من المعاملة، و لا ينبغي أن يدع الاستثناء في شيء من الأحوال. و قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩]. قال: بالسابقة. و قال بعض السلف: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها. و كان أبو الدرداء يحلف باللَّه عزّ و جلّ: ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلّا سلبه. و يقال: من الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء الخاتمة، و هذا من أخوف ما خافه العاملون من قوله تعالى: وَ لَهُمْ أَعْمالٌ من دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣]. و قيل: من الذنوب ذنوب لا عقوبة لها إلّا سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ باللَّه تعالى من ذلك. و قيل: هذا يكون