قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٩ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
يرجو له و يخاف عليه، و إن من مات مصرّا على الكبائر عن غير توبة منها في مشيئة الله تعالى، إن أثبت وعيده عليه كان عدلا، و إن عفا عنه و سمح له بحقه كان ذلك منه فضلا، و لا نحكم و لا نقطع على الله تعالى بشيء، و لا نوجب لنا عليه شيئا إنما نحن بين عدله و فضله و بمشيئته و اختياره. إن حقّق علينا وعيده فنحن أهل ذلك، و إن غفر لنا فهو أهل التقوى و أهل المغفرة. كيف و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو ينجزه له، و من أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار. و الحديث الآخر أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم سئل عن قوله تعالى: وَ من يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النساء: ٩٣]. فقال: جزاؤه جهنم إن جازاه. ففي كل قضاء الله تعالى حكمة بالغة و عدل، و حكم صادق و حق. و إن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها و شرها أنها من الله تعالى سابقة في علمه جارية في خلقه بحكمه، و أنهم لا حول لهم عن معصيته إلّا بعصمته، و لا قوّة لهم على طاعته إلّا برحمته، و أنهم لا يطيقون ما حملهم إلّا به، و لا يستطيعون لأنفسهم نفعا و لا ضرّا إلّا بمشيئته. و نؤمن بقدر الله و آياته في ملكه و غيب ملكوته مما ذكر في الأخبار من كرامته لأوليائه، و إجاباته لأحبائه، و إظهار القدرة للصدّيقين و الصالحين، مزيدا لإيمانهم و تثبيتا ليقينهم و تكرمة و تشريفا لهم، و أنه ليس في ذلك إبطال لنبوّة الأنبياء و لا إدحاض حججهم من قبل أنّ هؤلاء غير مثبتين و لا مخالفين للأنبياء، و لا ادّعوا ما ظهر لهم بحولهم و قوّتهم، و لا أظهروا دعوة إلى أنفسهم، و لا تظاهرا به، و لا اجتلابا للدنيا، و لا طلبا للرئاسة على أهلها. و إنما هو شيء كشفه الله تعالى لهم من سرّ ملكوته كيف شاء، و أظهرهم عليه من غيب قدرته أين شاء كما شاء، تخصيصا لهم و تعريفا، و هم للأنبياء متبعون، و على آثارهم مقتفون، و لسنّتهم مقتدون، فآتاهم الله تعالى ذلك ببركة الأنبياء و بحسن اتباعهم لهم، و لأنهم إخوانهم أبدالا لا أشكالا و عنهم أمثالا. و قد تواترت الأخبار من الصحابة و التابعين الأخيار بما ذكرنا فغنينا بالتواتر عن التناظر. و أما الثماني الواقعات في الآخرة فأن يعتقد العبد مساءلة منكر و نكير يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح و جسد، فيسألانه عن التوحيد و عن الرسالة، و هي آخر فتنة تعرض على المؤمن، و هما فتانا القبر. كذلك روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، و هو معنى قول الله عزّ و جلّ: يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ في الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧]. قيل: عند مساءلة منكر و نكير. و يضلّ الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء، و عذاب القبر حقّ و حكمة و عدل على الجسم و الروح و النفس، يشتركون في ذلك حسب