قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٤ - ذكر من كره المقام بمكة
ذلك فلا يبقى مندوب إليه مقصود لفضل دلّ الشرع عليه. كما جاء في الخبر: لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، و مسجدي هذا، و المسجد الأقصى، و بعد ذلك فأي موضع صلح فيه قلبك، و سلم لك دينك، و استقام فيه حالك، فهو أفضل المواضع لك. و قد جاء في الخبر: البلاد بلاد الله تعالى، و الخلق عباده، فأي موضع رأيت فيه رفقا، فأقم و أحمد الله تعالى. و في الخبر المشهور من حضر له في شيء فليلزمه و من جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه. و قال نعيم: رأيت الثوري قد جعل جرابه على كتفه و أخذه قلته بيده. فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: إلى بلد أملأ فيه جرابي بدرهم. و في حكاية أخرى: بلغني أنّ قرية فيها رخص فأخرج إليها. فقلت: و تفعل هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: نعم. إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك، و أقلّ لهمّك. و كان يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين، هذا زمان تنقل الرجل ينتقل من قرية إلى قرية يفرّ بدينه من الفتن. و قد كان الفقراء و المريدون يقصدون الأمصار للقاء العلماء و الصالحين، للنظر إليهم و التبرّك و التأدب بهم. و كان العلماء ينتقلون في البلاد، ليعلموا، و يردوا الخلق إلى الله تعالى، و يعرفوا الطريق إليه، فإذا فقد العالمون و عدم المريدون فالزم موضعا ترى فيه أدنى سلامة دين و أقرب صلاح قلب و أيسر سكون نفس و لا تنزعج إلى غيره فإنك لا تأمن أن تقع في شرّ منه و تطلب المكان الأول فلا تقدر عليه. و الله غالب على أمره و لا حول و لا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم.