قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٥ - ذكر فضائل الصدقة و آداب العطاء و ما يزكو به المعروف و يفضل به المنفقون
يكون له الشيء و الفقير لا شيء له. قال الله تعالى في أصحاب السفينة: فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في الْبَحْرِ [الكهف: ٦٩]. فأخبر أنّ لهم سفينة و هي تساوي جملة و قالوا: سمي فقيرا لأنه نزعت فقرة من ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فهو مأخوذ من فقار الظهر. و مال إلى هذا القول الأصمعي و هو عندي كذلك من قبل أنّ الله تعالى قدمه على الأصناف الثمانية التي جعل لهم الصدقة فبدأ به فدل على أنه هو الأحوج فالأحوج أو الأفضل فالأفضل. و قال قوم: الفقير هو الذي يعرف بفقره لظهور أمره، و المسكين هو الذي لا يفطن له و لا يؤبه به لتخفيه و تستّره. و قد جاءت السنّة بوصف هذا. في الخبر المروي: ليس المسكين الذي ترده الكسرة و الكسرتان و التمرة و التمرتان إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس و لا يفطن له فيتصدق عليه. و قد قال بعض الحكماء في مثل هذا، و قد سئل: أي الأشياء أشدّ؟ فقال: فقير في صورة غني. و قيل لحكيم آخر: ما أشد الأشياء؟ قال: من ذهب ماله و بقيت عادته. و قال الفقهاء: المسكين الذي له سبب و يحتاج إلى أكثر منه لضيق مكسب أو وجود عيلة، فهذا أيضا قد وردت السنّة بفقره، و ذكر فضله في الحديث الذي جاء أنّ الله يحبّ الفقير المتعفف أبا العيال و يبغض السائل الملحف. و في الخبر الآخر: أنّ الله تعالى يحبّ عبده المؤمن المحترف، و كل هذه الأقوال صحيحة. فالأفضل أن توضع الزكاة في الأحوج فالأحوج، و الأفضل فالأفضل، من أهل العلم باللَّه تعالى، و أهل المعاملة و أهل الدين للَّه، المنقطعين عن أهل الدنيا، المشغولين بتجارة الآخرة عن تجارات الدنيا، ثم في ذي العيال بقدر عياله بمقدار غناه عن حاجاته، فيكون له بعددهم أجور أمثاله من المنفردين إذ هم جماعة. و قد كان عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها، و كذلك في السنّة. روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يعطي العطاء على قدر العيلة، و يعطي المتأهل ضعف ما يعطي العزب، و يعطي كل رجل على قدر أهل بيته. و حدثنا عن بعض هذه الطائفة قال: صحبنا أقواما كان برّهم لنا الألوف من الدراهم انقرضوا و جاء آخرون كان برّهم لنا المئين. و نحن بين قوم صلتهم لنا العشرات نخاف أن يجيء قوم شر من هؤلاء. و قال بعض السلف: رأينا قوما ما كانوا يفعلون، و نخاف أن يجيء قوم يقولون و لا يفعلون، إن اتفق ذو دين في عيلة من مساكين فذلك غنيمة المتقين، و ذخيرة المنفقين. و المعروف في مثله واقع في حقيقته. و سئل ابن عمر عن جهد البلاء ما هو؟ فقال: كثرة العيال و قلة المال. و قد جاء في الخبر: لا تأكل إلّا طعام تقيّ و لا يأكل طعامك إلّا تقيّ، لأن التقي