قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٦ - ذكر فضائل الصدقة و آداب العطاء و ما يزكو به المعروف و يفضل به المنفقون
تستعين به على البرّ و التقوى فيشركه في قصده. و في الخبر أيضا: أطعموا طعامكم الأتقياء و أولوا معروفكم المؤمنين. و في لفظ آخر: أضف بطعامك من تحبه للَّه تعالى. و ينبغي للموقن أن يكون يفرح و يسرّ بقبول معروفه من الأتقياء، لأن ذلك عمله، إن لم يقبله منه عارف باللَّه تعالى و أحكامه، و قد ردّت عليه أعماله، فينبغي أن يحزن بردّها عليه إذ كان ذلك ردّا من الله تعالى له. و من وصل فقيرا بمعروف فردّه عليه فعظم الفقير في عينه فذلك يدل على جهل المعطي بربه، لأنه لو أخذها فأسقط منزلته عنده ثم أخرجها سرّا إلى من هو أحوج إليها منه كان بذلك فاضلا، و من ردّ عليه فقير برّه فلم يحزنه ذلك أو سرّه، ذلك دل على ضعف نيته في الإخراج و قلة إخلاصه بمعروفه، لأن الصادق يسوءه ردّ معروفه إليه و يحزنه، و ينبغي أن لا يتملك ذلك أن ردّه عليه بل يدفعه إلى فقير آخر، لأنه قد أخرجه للَّه تعالى، فلا يرجع فيه. و الفقراء شركاء في العطاء يردّ عليهم من بعضهم إلى بعض. و كذلك إن أخرج صدقة باسم فقير بعينه ليعطيه إياها فصادف غيره فذكر من هو أحوج منه أو أفضل و وافق طالبا إليه في حق عليه فلا بأس أن يدفعها إلى من يدفعها إلى الثاني ما لم تخرج عن يده، أو يكون قد وعده بها. و كذلك إن دفعها إلى من يدفعها إلى فقير بعينه ثم رأى من أثر في قلبه فأخرج منه فله أن يسترجعها من المأمور و يدفعها إليه، ما لم يكن قد نفدها أو أعلمه بها. و ينبغي أن يستبشر بقبول العارفين معروفه، لأن ذلك قبول من الله تعالى لعلمه، إذ كان العارف باللَّه تعالى و أيامه يتصرف عن الله تعالى في الأفعال، كما أنه ينطق عنه في المقال. و ليس قبوله منه كقبول غيره و لا ردّه عليه كردّ غيره، إذ كان الشاهد فيه من الله سبحانه أقوى و أعلى من الشاهد في غيره و لما هو إلى التوفيق و العصمة أقرب مما سواه من الفقراء. حدثني بعض إخواني: أنّ فقيرا بمكة ردّ على بعض الأغنياء معروفه فأخذ يبكي. فقال: أ ليس هذا عملي قد ردّ عليّ؟ قيل له: فإن غيره يقبله. فقال: من أين لي مثل هذه العين؟ و هذا كما قال، لأن المؤمن ينظر بعين اليقين و نور الله تعالى، فردّه عن الله تعالى. كما قال تعالى: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود: ١٧]. و الجاهل يتصرف بهواه عن نفسه فردّه كقبوله، لأنه يأخذه لنفسه، و يرد بنفسه. و العارف إن أخذ فبرب، و إن ردّ فعن ربّ تعالى، و ليزدد في عينه من قبل منه معروفه نبلا و جلالة، و يعظم في عينه محبة و مهابة، لأنه قد أعانه على برّه و تقواه، و أكرمه بقبول جدواه، فليشده ذلك نعمة من الله تعالى و إحسانا منه إليه، و على العبد أن يجتهد في طلب الأتقياء و ذوي الحاجة من الفقراء و يبلغ غاية علمه بذلك، فإن قصر علمه و لم تنفذ فراسته و معرفته في الخصوص استعان بعلم من هو أعلم