قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٤ - ذكر أحكام الخواطر في الصلاة
منه و تعريف، و هذا مزيد التلاوة و علامة الإخلاص في المعاملة و بركة التدبر، دليل القبول و الشكر لحسن الخدمة، فليأخذ من ذلك ما عفا و يغترف منه ما صفا، و لا ينتظره و لا يتمناه و لا يتبعه بعد انصرافه بالفكر في معناه، فيسترق العدوّ عليه السمع و يلقي إليه الوسوسة و يطمع فيه بالغرة و يدخل عليه من باب الأمنية، لأنه قد قرن الأماني بالإضلال، فهي مواعيد الكذب للإبطال. أ لم تسمع إلى ربك تعالى كيف أخبرك عنه في قوله تعالى: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ [النساء: ١١٩]. ثم قال في مثله: وَ شارِكْهُمْ في الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [الإسراء: ٦٤]. ثم استثنى عباده المسلطين عليه بسلطانه، الغالبين له بآياته، فلم يصل العدو إليهم لمواصلته لهم و توكّلهم عليه بوكالته إياهم. تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٥]. و قوله تعالى: وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ من اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [القص ٣٥]. مع قوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:٩٩]. و للعبد في التفكّر و التدبّر لما يستقبل من كل كلمة شغل عمّا فات مما كان عمله، و له في الشغل في الحال اقتطاع بما قد فهمه و ما فهمه من غير ما يتلوه فاستدل به على ما سواه مما يعينه و يحتاج إليه، فهي أبواب من الفطنة تفتح له فيكون التكلم مفتاحها، ثم يخرج العبد إلى سواها مما هو له أصلح أو عليه أوجب. فليعرف بذلك ما عرف و ليقف من ذلك على ما عليه وقف و ما تفكر فيه من غير تدبر التلاوة، أو شغل به من غير فهم المتلوّ فهو حجاب له من الفهم و قطع له عن خالص العلم فليقطع ذلك. و التمام في التلاوة أن يتدبر التالي باطن الكلام، و يتفكّر في غوامض الخطاب، و يوقف قلبه على معاني المراد، و يعمل فكره في تذكر الموصل و الترداد. فإن الكلام عزيز من عزيز، و لطيف من لطيف، و حكيم من حكيم. و على من على ظاهره سهل قريب، و باطنه بحر عميق، يقول السامع إذا عقله قد فهمته، لتجلي فحواه. فإذا شهده كأنه ما سمعه لدقيق معناه يحسب العاقل أنه قد عرفه لظهور بيانه و تفصيل حكمته. فإذا عرف المتكلم به كأنه ما عقله لعمق بحاره و سعة أقطاره قد اغترّ به قوم لما سمعوا بيانه فادّعوا أنهم يحسنونه، و خدع به آخرون لما عقلوا أمثاله فطلبوا غيره و سألوا أبداله. و أصغى آخرون إلى سمعه فادّعوا فهمه فأكذبهم الصادق، و عزلهم عن سمعه. ثم أخبرنا بجميع ذلك عن جهلهم، و عجبنا من جراءتهم. فقال في وصف الأولين: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]. وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ