قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٣ - ذكر أحكام الخواطر في الصلاة
الذكر و اليقظة إلى مسامرة الجهل و الغفلة، و كل عمل محظور فالهمة به محظورة و فيه نقص، و كل عمل مباح فالهمة به مباحة و نفيها فضيلة، و ما خظر على قلبه من الخيارات المتأخر فعلها فليعقد النية بذلك، فإنه قد ذكر به و أريد منه، ثم ليمض في صلاته و لا يشتغل بتدبيره، كيف يكون؟ و متى يكون؟ أو كيف أكون فيه؟ و عنده إذا كان فيفوته الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل، و هذا هو استراق من العدوّ عليه و إلقاء من خدوعه إليه، فإن جاهد هذا المصلّي نفسه عن مسامرة الفكر و قابل عدوّه في قطع وسوسة الصدر، كان مجاهدا في سبيل الله تعالى، مقاتلا لمن يليه من أعداء الله تعالى، له أجران: أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم، و أجر المصارمة و المحاربة لعدوّه الرجيم. و قد كان الأقوياء من المؤمنين، أهل الغلظة على الأعداء و التمكين، إذا ابتلوا بداخل يدخل عليهم في الصلاة من الأسباب، يخرجهم عن المشاهدة فيها عملوا في قطع ذلك الشيء و إبعاده من أصله، إذ كان سبب قطعهم و إبعادهم من قربهم، فيستخرج بإدخال ذلك عليهم إخراجهم من الدنيا، و هو الزهد فيها. فيكون ذلك إحسانا من الله إليهم و مريدا منه لهم، و هذا أحد ما زهد لأجله الزاهدون في الدنيا لتصفو قلوبهم من الأسباب فتخلص أعمالهم من الوسواس بالاكتساب و من ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه نزع الجبة التي كانت عليه في الصلاة لما نظر إلى علمها و قال: ألهتني هذه في الصلاة يعني شغلتني، و نظر إلى شراك نعله في الصلاة و كان جديدا، فأمر أن ينزع منها و يعاد لها الشراك الخلق، و كان قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد و قال: تواضعت لربي كيلا يمقتني. ثم خرج بها فدفعها إلى أوّل سائل لقيه، ثم أمر عليّا أن يشتري له نعلين سبتيين جرداوين فلبسهما. و كان الضعفاء من المؤمنين يعملون في نفيه و ترك مساكنته و محادثته في الحال لقوادح اليقين في إيمانهم و لسرعة التيقظ في قلوبهم، لأن الآفات تدخل من مكان الهوى و تمكّن الأعداء، و مكان الهوى و قوّة العدوّ لطول الغفلة و عدم حلاوة الطاعة لاتساع النفس في الشهوات و قوة سلطانها على الصفات و اتساع النفس و قوة صفتها لضيق القلب، و ضعف اليقين إذ لو قوي يقين العبد لانشرح صدره و لأطفأ نور يقينه ظلمة هواه، و لاندرجت النفس في القلب اندراج الليل في النهار، و لأسقط مكانه من الشهادة تمكن أعدائه و العادة، و لعلم يقينا أنّ ما هو فيه من الذكر و الصلاة أنفع له و أحمد عاقبة مما تفكر فيه من عاجل دنياه، فيشتغل حينئذ بما هو فيه له من الذكر عمّا هو عليه من سوء الفكر، و ليس بعد هذين المقامين حال ينعت و لا يمدح بشيء، و ما قدح في قلبه من فهم الخطاب و تدبر معاني الكلام و الإيقان على المقصد و المراد فهو تعليم من الله تعالى و توقيف و تنبيه