قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٣ - ذكر فضائل الصلاة و آدابها و ما يزكو به أهلها و وصف صلاة الخاشعين
[البقرة: ٢٢٣]. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: جعلت قرّة عيني في الصلاة. و كان يرى الأكبر فتقرّ عينه به. و قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا. كما قال: من لم يترك قول الزور و الخيانة فليس للَّه تعالى حاجة أن يترك طعامه و شرابه، فإنما المراد من الصلاة و الصيام المخالفة من الآثام، و من إقامة الصلاة و إتمامها الوضوء لها قبل دخول وقتها لئلا يشغله عن أول وقت غيرها. و ينبغي أن يكون قلبه في همّه، و همّه مع ربّه، و ربّه في قلبه، فينظر إليه من كلامه، و يكلمه بخطابه، و يتملقه بمناجاته، و يعرفه من صفاته. فإن كل كلمة عن معنى اسم، أو وصف، أو خلق، أو حكم، أو إرادة، أو فعل، لأن الكلم ينبئ عن معاني الأوصاف، و يدل على الموصوف. و كل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف، من كل جهة مقام و مشاهدات، أول الجهات الإيمان بها، و التسليم لها، و التوبة إليها، و الصبر عليها، و الرضا بها و الخوف منها، و الرجاء لها، و الشكر عليها، و المحبة لها، و التوكل فيها. فهذه المقامات العشر هي مقامات اليقين، لأن الكلمة هي حق اليقين. و هذه المعاني كلها منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التملّق و المناجاة، و يعرفها أهل العلم و الحياة، لأن كلام المحبوب حياة القلوب، لا ينذر به إلا حيّ و لا يحيا به إلا مستجيب. قال الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ من كانَ حَيًّا [يس: ٦٩- ٧٠]. و قال سبحانه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، و لا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من نقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب، أولها مقام المسلمين، و آخرها مقام الذاكرين، و بعد مقام الذكر هذه المشاهدات العشر فعندها لا يملّ المناجاة لوجود المصافاة، و لا يثقل عليه القيام للذاذة و الإفهام، و يسهل عليه الوقوف لدنوّ العطوف، و يتنعم بالعتاب بحلاوة الاقتراب. هنالك يندرج طول القيام في التلاوة فلا يجده كاندراج القبلة في الصلاة فلا يشهدها، فيكون من ورائه القبلة و هو أمامها. كذلك القيام يحمله و هو مع حامله. حدثت أنّ الموقن إذا توضّأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضين خوفا منه، لأنه يتأهب للدخول على الملك. فإذا كبر حجب عنه إبليس و ضرب بينه و بينه سرادق لا ينظر إليه، و واجهه الجبار بوجهه. فإذا قال: الله أكبر أطلع الملك في قلبه. فإذا ليس في قلبه أكبر من الله تعالى فيقول: صدقت الله تعالى في قلبك. كما تقول: قال فيتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش، فيكشف له بذلك النور ملكوت السموات و الأرض، و يكتب له حشو ذلك النور حسنات. قال: و إنّ الغافل الجاهل إذا قام للوضوء احتوشته الشياطين، كما يحتوش الذباب على نقطة العسل، و إذا كبر أطلع الملك في قلبه. فإذا كل