قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٣ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
من علمه بنفسه شيئا لا يسأل عن علومهم كما لا يسألون عن علمه، و هذا طريق رأس ماله الصدق، و زاده الصبر و قوته التقوى. فمن عدم الصدق لم يربح، و من لم يتزود الصبر انقطع، و من لم يقتت التقوى هلك، فذرة من صدق أنفع من مثقال عمل، و ذرة من صبر خير من مثقال من عمل، و ذرة من تقوى أنفع من مثقال إيمان. فإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا، و يعطي الله تعالى العبد بأداء الفرائض و اجتناب المحارم مقاما من مقامات اليقين، يرفع به إلى عليين، و ربما أعطاه بهما مثل ثواب الأبدال بعد أن يريد بالفعل و الترك وجه الله تعالى وحده، و إن لم يسلك به طريق الأبدال قط و لم يعرف منهم أحدا أبدا. و من نقله مولاه باليقين الذي به تولاه لم يخف عليه التنقيل، لأن النقل يضطره إلى التنقل في الأحوال. و المشاهدة تحكم عليه بالأفعال. و ربما بلغ الله تعالى العبد بحسن الظن به، و قوة الأمل و الطمع فيه جميع ما ذكرناه، بعد أن يكون حسن اليقين. و قد يعطيه مقام الصديقين بخلق من أخلاقه إذا خلقه به، و ربّما بلغه منازل الشهداء بشيء واحد بتركه له، أو شيء يؤثره به لأنه غفور شكور. و أضرّ شيء على العبد قلة معرفته به. فلربما كان العبد على تسع كبائر فيترك العاشرة لوجه الله تعالى، فتكون تلك الخصلة ذرة إلى جنب تسعة أجبل، فينظر الله تعالى إليه بوجهه لوجهه الذي تركه له نظره، فتمحو تلك النظرة الجبال التسعة فتصبر هباء منثورا، و ربما حسن الله تعالى وصفا واحدا من العبد يصفه به فيحبط عنه مائة وصف قبيح يصفه الناس به. فتدبروا، فلا ييأس عبد من فضل مولاه و لا يقطعن من حبله رجاه بعد إذ عرفه. فإن السيد كريم رحيم. و لا ينقطعن عبد عن بابه و أن يقطع بخلافه و لا يبعدن عن فنائه و إن بعد بأوصافه، و لا يستوحش من التقرّب إليه بما يحب بعد ما توحش، تفحش لديه بما يكره. فهكذا يحب الله تعالى من عباده فتبينوا، و نحو هذا يحبّ الله تعالى منهم أن يعرفوا فيفعلوا بعد المعرفة. فإنّ المعروف مفرط الكرم واسع الرحمة فاضل الفضل، فإن أعطي المعرفة لم يمنع شيئا و لا يضرّ ما منع و إن منع المعرفة لم يعط شيئا و لم ينفع منه ما أعطي. و قد تلتبس المحاب فتدخل محبة النعم في محبة المنعم، و تدخل محبة النفس على محبة خالق، و يشتبه ذلك عند عموم المحبين ممن لم يكشف له عين اليقين، فيكون العبد محبّا للنعم، و هو يظن بوهمه أنه محب للمنعم، و يكون محبّا لنفسه و يحسب أنه محبّ لمولاه. و علامة ذلك سكونه إلى الأشياء و فرحه بالموجودات، و وجود راحته و لذته في هواه. فربما اختار الله تعالى أن يكشف له حاله قبل موته، و ربما ستر عليه حاله و لم يفضحه حتى يلقاه، فيثيبه ثواب مثله و جزاءه. و ليس يظهر فرقان هذا إلا في قلب موقن مراد بنور ثاقب، و علم نافذ و يقين صاف من عين