قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣١ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
الخطاب لأضدادهم. فأي الفريقين أحق بالأمن؟ الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم أحق بالأمن غدا في المقام الأمين و قال تعالى: وَ من لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١]، فآخر الظلم أول التوبة و آخر التوبة أول المحبة، و آخر المحبة أول المعرفة و هي معرفة متعرف، و هي الخاصة مزيد المحبة الأولى و آخر نصيب العبد من المعرفة و أول التوحيد، و هو توحيد الشاهدين و لا آخر له. و أوسط المقامات الزهد و أول الزهد آخر الهوى، و آخر الزهد أول العلم و آخر العلم أول الخوف و آخر الخوف، أول الحبّ و هذا حبّ محبوب، و الظالم لا مقام له و لا جاه، و من لا جاه له فلا شفاعة و من لا شفاعة فلا شهادة، و من لا شهادة فلا يقين، فلو أعطي مثقالا من الإيمان لم يتجه لأنه صلى الله عليه و سلم قال في وصف الداخلين: أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. ثم قال في الخبر الآخر: السخاء من اليقين، و لا يدخل في النار موقن. و قال سبحانه و تعالى في تفصيل ما وصلنا مما عنه شهدناه: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]، ثم قال في البيان الثاني من الخطاب: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [مريم: ٨٧]، و قال في البيان الثالث: وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا من شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦]، و قال في وجد اليقين بعد شهادة العين في الرواية بعد المكاشفة: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ من الْمُوقِنِينَ [الانعام: ٧٥]، ثم قال بنبإ يقين: إني وجدت، و كما أن اليقين بعد المشاهدة كذلك الوجد بعد اليقين، و اليقين هو حقيقة الإيمان و كماله. كما جاء في الأثر: «الصبر نصف الإيمان، و الشكر نصف الإيمان و اليقين الإيمان كله». و قد روينا في تفسير قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين. قيل: الجاه و قيل: الشفاعة و يقال: الولاية. و قيل: الإمامة. لا يكون الظالم إماما للمتقين لأن من تبعه أمة من المؤمنين فهو إمام للمتقين. و الظالم متهدد بالنار متوعّد بسوء المنقلب، مشفوع فيه فكيف يكون شفيعا محجوب عنه؟ فكيف يكون شهيدا؟ أ لم تسمع إلى قول الشاهد: و لا تحسبنّ الله غافلا عمّا يعمل الظالمون و إلى قوله تعالى: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧]، مع قوله تعالى: فَتَكُونَ من أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٢٩]، ثم أجمل ذلك بقوله: و من لم يتب فأولئك هم الظالمون. فصغير التوبة لصغير الظلم عن صغائر المظالم، و كبير التوبة لكبير الظلم عن كبائر المظالم. و الظلم ظلمة اليوم في القلب، و ظلمة غدا في القيامة، فالتوبة تخرج العبد من الظلم، و بخروجه من الظلم يدخل في منازل العهد، و برعاية العهد يعمل في الإصلاح. و الله لا