قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٩ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
يبدي إلا بقدر معلوم بمقدار ما أبدى المبدئ، و يعيد منه بقدر ما أعاد المعيد، و كان لديه خليلا كما كان عنده قريبا، فصارت الخلّة مقاما في محبوب و هو نهاية المزيد، كما كان مقام محبوب و زيادة على مقام محب كما رفعه إلى المحبة بعد الصفوة من كدر الهوى. و كذلك أنت أيها السامع الشاهد، يجعل لك بعد الصفاء نصيبا من نصيب و شهادة على شهادة، و وجدا من وجد و فقدا للنفس من فقد. فلا يذهب كثير النبوّة منه صغير العطية لك لأنّه تعالى رفع الطائعين له و لرسوله صلى الله عليه و سلم مقاما إلى مقام النبيّين و الصدّيقين. و الصدّيقون باقون إلى نزول الروح عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام، و هم الأبدال عددهم في كل الدنيا ثلاثمائة. و ما شاء الله منهم الشهداء و الصالحون. فهم ثلاث طبقات و كلهم مقرّبون سابقون. إيمان صدّيق منهم كإيمان جميع الشهداء، إيمان شهيد كإيمان كل الصالحين. و إيمان كل صالح بمقدار إيمان ألف مؤمن من عموم المسلمين. و ليس في الخلّة شريك لغير الخليل على خليله، و لأنها حال مفردة لفرده موحدة لواحد. و لو كان يصلح لها نظير و يوزر بها وزير كان أحق الأمة بذلك الصدّيق، فقد أعطاه تعالى ثلاثا لم يعطها غيره منها: إنا روينا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له: إنّ الله عزّ و جلّ أعطاك مثل إيمان، كل من آمن بي من أمتي. و أعطاني مثل إيمان كل من آمن بي من ولد آدم. و الحديث الثاني أنّ للَّه تعالى ثلاثمائة خلق، من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، هل في منها خلق واحد؟ فقال: كلها فيك يا أبا بكر، و أحبها إلى الله عزّ و جلّ السخاء. و الحديث الثالث هو المستفيض. رأيت ميزانا دلّي من السماء فوضعت في كفة فرجحت بهم، و وضع أبو بكر في كفة، و جيء بأمتي فوضعت في كفة. فرجح بهم و ليس بين الصدّيق و بين الرسول إلا درجة النبوّة و القطب اليوم الذي هو إمام لأثافي الثلاثة، و الأوتاد السبعة، و الأبدال الأربعين و السبعين إلى ثلاثمائة، كلّهم في ميزانه، و إيمان جميعهم كإيمانه. إنما هو بدل من أبي بكر رضي الله تعالى عنه و الأثافي الثلاثة بعده، إنما هم أبدال الثلاثة الخلفاء بعده و السبعة هم أبدال السبعة إلى العشرة. ثم الأبدال الثلاثمائة و ثلاثة عشر، إنما هم أبدال البدريين من الأنصار و المهاجرين أهل الرحمة و الرضوان، فمع هذا الفضل العظيم لأبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه لم يصلح أن يشرك الحبيب الرسول المقرّب الخليل في مقام الخلّة. كما صلح أن يشرك في مقام الأخوة، و هو المقام الذي شرك فيه عليّا كرّم الله وجهه. فقال عليّ مني بمنزلة هارون من موسى، فهذا مقام أخوة. كذلك في التفرّد بمقام الخلّة: لو كنت متّخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. و لكن صاحبكم خليل الله تبارك و تعالى يعني نفسه صلوات الله