قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٥ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و لكن قلت اللّهم اجعله عندك حتى لا يبصروه، و هذا هو واحد من أصحاب الحسن. و قد كان الحسن فوقه بدرجات أحوجه الله إليه. و قيل لأبي يزيد بلغت جبل قاف؟ فقال: جبل قاف أمره قريب الشأن في جبل كاف و جبل عين و جبل صاد. قال: و ما هذا؟ قال: هذه جبال محيطة بالأرضين السفلى، حول كل أرض جبل بمنزلة جبل قاف محيط بهذه الدنيا، و هو أصغرها. و هذه أصغر الأرضين. و قد كان أبو محمد يخبر أنه صعد جبل قاف، و رأى سفينة نوح مطروحة فوقه، و كان يصفه و يصفها. و قال للَّه عبد بالبصرة يرفع رجله و هو قاعد فيضعها على جبل قاف. و قد قيل: الدنيا كلها خطوة للولي، و إنّ وليّا للَّه خطا خطوة واحدة خمسمائة عام، و رفع رجله على جبل قاف و الأخرى على جانب الجبل الآخر، فعبر الأرض كلها. و قيل لأبي يزيد: دخلت إرم ذات العماد فقال: قد دخلت ألف مدينة للَّه في ملكه، أدناها ذات العماد. ثم عدد كلها، البيت و تأويل و باريس و جابلق و جابرس و مسك. و لعلّ قائلا يقول: فقد قال الله في وصفها: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في الْبِلادِ [الفجر: ٨]. قيل: فإن معناه في بلاد اليمن لأنهم خوطبوا بما في بلادهم. كما قال تعالى: أَوْ يُنْفَوْا من الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣]، يعني أرض بلادهم. فذات العماد مدينة عاد في اليمن بين إبتر و الشحر، يقال: لها سور له ألف باب ما بين البابين، فرسخ مركبة على أعمدة الذهب و الفضة و الياقوت و الزبرجد، فيها مائة ألف عمود من ذلك، كانت الجن اصطنعتها لعاد بن شدّاد بن سام بن نوح. استخرجت الجن هذه العمد من قعور البحار و القفار، و كانت سخرت الجن له قبل سليمان بن داود بأربعة آلاف عام. تجتمع في هذه المدينة طائفة من الأبدال ليالي الجمع و في الأعياد. يقال: فيها صناديق من حجارة، طول كل صندوق عشرة أذرع، فيها قبول الأنبياء، أجسادهم صحيحة باقية إلى يومنا هذا، و هي محجوبة عن أبصار العباد. و قد كان سهل رحمه الله يزورها في كل جمعة، و هذا واحد من المحبوبين و هذه آيات يسيرة من قدرة الله الكبيرة. و قيل لهذا العبد: حدثنا عن مشاهدتك من الله. فطاح ثم قال: ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك. قيل: فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله. فقال: و هذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه. قيل: فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتها. قال: نعم، دعوت نفسي إلى الله في بعض الأمور فتلكعت عليّ، فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة و لا أذوق الغمض سنة، فوفت لي بذلك. و حكى عنه بجير بن معاذ في بعض مشاهداته أنه رآه من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر مستوفزا على صدور قدميه، رافعا أخمصها و عقبيه على الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لا يطرف. قال: ثم سجد عند السحر