قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٣ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
المحبة، و حقيقة الإخلاص. و قال بعض العارفين: كل المقامات عن أنوار الأفعال و الصفات، إلا المحبة فإنّها عن نور حقيقة الذات، فلذلك عزّ وصفها، و عزب علمها، و قلّ من المؤمنين المتحقق بها، و ذلك أنّها سرّ كالمعرفة إذا ظهر المحبوب أحببته كما إذا رأيت المعروف عرفته، و ذلك متعلّق به و هو الظاهر لظاهر المعرفة و المحبة الباطن لباطن المحبة، و المعرفة عن وصف باطن. و من أدرك مقام المحبة للَّه لم يضره فوت شيء من المقامات، و من فاته المحبة لم يغبط بدرك شيء. و قد قيل في قوله عزّ و جلّ: وَ من يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]. إن الهاء عائدة على التوكل أي فالتوكل حسبه من جميع المقامات و التوكّل حال من مقام المحبة. و قد قال الله تعالى: وَ رِضْوانٌ من الله أَكْبَرُ. و الرضا مقام من المحبة فقد جلّت المحبة أن توصف و دقت عن العلوم بالعقول أن يعرف مثلها مثل العلم باللَّه، فكذلك أي قلب أجلّ من قلب يكون محبوبه الله، و لا أعلم من معلومه الله. و قيل: إن للقلب حبة هي باطنه عليها يتعلق، المحبة، و منه سمّيت محبة، كان اشتفاقه من حبة القلب و هي التي يقال لها سويداؤه، و الميم في الأسماء قد تزاد للمبالغة في الوصف. و من هذا قول الله عزّ و جلّ: قَدْ شَغَفَها حُبًّا [يوسف: ٣٠] لما وصفها بنهاية الوصف في الحبّ، أي قد خرق حبه شغاف قلبها فوصل إلى حبة القلب، و خرق الشغاف و هو حجاب القلب، و حبّا منصوب على التفسير كأنّه قيل: قد شغفها أي خرق شغافها. فقيل: ما ذا؟ فقيل: حبّا. فالحب إذا وصل إلى هذا الموضع من العبد لم يملك المحبّ نفسه، ففرغ قلبه له، و امتلأ به، و لم يجر على ترتيب ما رسمناه، و ربّما خرج إلى الوله و الاستهتار و جاوز معيار العقل في التصريف و الأذكار. و العرب تقول: قد دمغه و أرأسه و قاده و ركبته. كذلك قولهم أشغفه إذا أصاب شغاف قلبه فهتك حجابه و قد قرئت بالعين، و معنى قد شغفها بلغ أعلى القلب و نهايته لأن الشغف أعلى كل شيء و أبعده، فالمعنى ذهب به الحبّ أقصى المذاهب و غايته. فحينئذ يملكه الحبّ فيكون أسيره، و يغلب عليه الحبيب فيصبر مأسوره فيحكم عليه و لا يجاوز، و يفرغ له قلبه من كل شيء رسمه، و يمتلئ به فلا يبقى فيه شيء رسمه، و لا يقدر على الكذب لظهور سلطان قهر الحبّ. فحينئذ يكشف قناعة و يرسل عذاره فيه و يصفه الحبّ بالحبّ و هو صامت بخيفة المحبّ إلا لمن أحبّ، و هو ظاهر، و ليس يكون هذا إلا في مقام شكر و حال عليه. فمن لم يعرف هذا المقام أنكر هذا الكلام إلا أن يربط قلبه بتأبيده و يحفظ سرّه بتمكينه كما قال تعالى: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي به لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ من الْمُؤْمِنِينَ [القص ١٠] أي من المصدقين