قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٤ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
إنّا نرده إليها و لا تظهر أنه ابنها فيقتل. و كما لطف للفتية الذين آمنوا و هم أصحاب الكهف لما غلب حبّ الإيمان على قلوبهم، إذ قاموا فقالوا: ربّنا ربّ السموات و الأرض لئلا يظهروا إيمانهم لما غلب حبه عليهم فيقتلوا، فهذه لطائف الحكيم و خفي صنع العليم، فالمحبون له حافظون للغيب بما حفظ. و قال سمنون لبعض الفقراء في قصة ذكرها يفرح بحبه و يذكر المحبة. و قال بعض الناس في وصف المحبين أقامهم مقام المحبة فلم يزن الملك في قلوبهم حبة فمحبة غير الله في محبة الله شرك عند المحبين، و هي خيانة عند بعضهم، و هو من نقض العهد و قلة الوفاء بالعقد. و قال سهل: من أحبّ الدرهم لا يحبّ الآخرة، و من أحبّ الخبز لم يحبّ الله عزّ و جلّ، و لا يخرج حبّ الوالد و الولد المحبين من المحبة، لأنّ ذلك جعل الله في القلوب نصيبا لهم و لا يخرجه أيضا حبّ الزوجة بمعنى الرفق بها و الرحمة لها، و لا يخرجه أيضا حبّ مصالح الدنيا من حاجات الأقسام و القلوب ممّا لا بدّ منه، و ليس ذلك كله يكون في مكان محبة الله، لأنّ محبة الله في أنوار الإيمان، و محبّة هذه الأشياء في مكان العقل، هكذا عندي في الفرق بين محبة الله و محبة المخلوق، و يخرجه جميع ذلك عند بعض المحبين من السلف. فأما الاشتغال بهذه الأشياء بالإيثار لها على التفرغ لمرضاة الله و الانحطاط في أ هوائها دون محبة الله فإنّ ذلك يخرجه عند الكل و عندي يخرج العبد من حقيقة المحبة السكون إلى غير الله، و الفرح بسواه، و الحزن على فوت غيره إياه. و قيل لبعض العارفين من الأبدال: الناس يقولون إنك محبّ فقال لست محبّا المحب متعوب و لكني محبوب و قيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة. فقال: أنا كل السبعة. و قال هذا إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا. قيل: كيف و أنت شخص واحد؟ قال: لأني قد رأيت أربعين بدلا فأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه. و قيل له: بلغنا أنك ترى الخضر فتبسم ثم قال: ليس العجب ممّن يرى الخضر و لكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحجب عنه فلا يقدر عليه و لعمري أن من كان عند الله لم يره بشر و لا ملك. حدثونا أنّ الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به فدخل عليه الشرط، ففزع الحسن و ذهب ليتسور الحائط و يهرب. فقال له حبيب أبو محمد: اقعد حتى نبصر. فقال: فدخل عليه الشرط فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إنه عندك. فقال: هل ترون شيئا؟ ففتشوا الدار كلها و خرجوا و هم لا يرونه. فقال له الحسن: كيف لم ينظروا إليّ؟ قال لأنك كنت عند الله فلم يروك، و لو كنت عندي لأبصروك، قال له الحسن: إني قد رأيتك لما دخلوا هممت بشيء، فهل ذكرت اسم الله الأعظم؟ قال: لا،