قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٢ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
أقيموا مقام الأنس من مقام محبوب. و يقال: إنّها توجد في المقام السابع عشر من مقامات المعرفة، إذا أقيم العبد هذا المقام في المعرفة يؤدي بها ظهرت له و فوقها ثلاثة و ثمانون مقاما من مقامات العارفين، أفضل من ذلك. و يقال: إنها لا تكون لأبدال المرسلين من الصدّيقين، و إنّما يعطاها أبدال النبيين من الصالحين. فأبدال المرسلين فضّلهم على أبدال النبيين كفضل المرسلين على النبيين و كفضل الصدّيقين على من دونهم من الصالحين. كيف و قد قال بعض العلماء: ما رأيت هذه الكرامات أظهرت إلا على أيدي البله من الصادقين. و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر من يدخل الجنة من أمتي البله، و عليون لذوي الألباب. فأولو الألباب هم المواجهون بالخطاب، الشهداء عليه، المستحفظون للكتاب. كما قال تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا من كِتابِ الله وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [المائدة: ٤٤]. و العامة يحسبون أنها من أعلى مقامات المعرفة فجميع تلك الأسرار من الغيوب التي تكنّها الحجب و الأستار لا يظهر عليه إلا مطلوب، و المطلوب عن نفسه مسلوب. فمن بقيت عليه من نفسه بقية، أو نظر إلى حركته و سكونه بعينه نظرة خفية فسترها عليه رحمة له، لأنه لو كوشف هلك في حيرة الهوى، و غرق في بحر الدنيا، و نفس حبه لها، و عين طلبه إياها هو حجابها عنه و استثارها منه، حتى يكون كارها لظهورها كراهته لظهور الخلق عليه في معصيته، و خائفا منها خيفته من نفسه في تظاهرها عليه بهلكته، فإذا بقي بباق و حيّ بحياة حي صرفا منه و صرفا عنه بلا طلب و لا نظر و لا سبب و لا فكر، أدّى لعجائبه، و فتح له كنوز غرائبه، و يفعل الله ما يشاء. و قال بعض العارفين ممن يكشف عن مشاهدته: عبدت الله ثلاثين سنة بأعمال القلوب و الجوارح على بذل المجهود، و استفراغ الطاقة، حتى ظننت أنّ لي عند الله شيئا، فذكر أشياء من مكاشفات السموات في قصة طويلة قال في آخرها: فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت: ما أنتم؟ قالوا: نحن المحبوب للَّه نعبده هاهنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط طلب لسواه و لا ذكرنا غيره. قال: فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حقّ عليه الوعيد تخفيفا عنهم في جهنم. و قال بعض العلماء: كل مقام أعبر عنه إلا مقام المحبة. قيل: و لم؟ قال: لأن الشيء يعبر عنه بألطف منه و لا شيء ألطف من المحبة. و قيل لمعروف: أخبرنا عن المحبة أي شيء هي؟ قال: يا أخي ليس المحبة من تعليم الناس، المحبة من تعليم الحبيب. و قد كان الحذاق من العلماء لا يخبرون بحقائق أربع مقامات، حقيقة التوحيد، و حقيقة المعرفة، و حقيقة