سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
قالت عائشة رضي اللّه عنها: «فكمنا في الغار ثلاث ليال و كان عبد اللّه بن أبي بكر يبيت عندهما، و هو غلام ثقف [١] لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش [بمكة كبائت]، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. و عند ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. و كان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر في رعيان أهل مكة فإذا أمسى يريحهما عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل و هو لبن منحتهما و رضيفهما [٢] [حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس]، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
فلما مضت الثلاث و سكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه فركبا و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل الدّيلي. و أردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق- و عند البخاري في غزوة الرّجيع كان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطّفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها- و أخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عسفان [٣] ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أمج.
و روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: «بلغني أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما خرج مهاجرا قال: «الحمد للّه الذي خلقني و لم أك شيئا، اللهم أعنّي على هول الدنيا و بوائق الدهر و مصائب الليالي و الأيام، اللهم اصحبني في سفري و اخلفني في أهلي و بارك لي فيما رزقتني، و لك فذلّلني، و على صالح خلقي فقوّمني، و إلى ربّي فحبّبني، و إلى الناس فلا تكلني، أنت ربّ المستضعفين و أنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات و الأرض فكشفت به الظلمات و صلح عليه أمر الأولين و الآخرين، أن يحلّ بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك و فجاءة نقمتك و تحوّل عاقبتك و جميع سخطك، لك العتبى خير ما استطعت، و لا حول و لا قوّة إلا بك» [٤].
و روى الإمام أحمد و الشيخان و يعقوب بن سفيان عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه أن أباه قال لأبي بكر رضي اللّه عنه: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: خرجنا
[١] ثقف: أي ذو فطنة و ذكاء. و رجل ثقف، و ثقف، و ثقف و المراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. انظر النهاية ١/ ٢١٦.
[٢] الرضيف: اللبن المرضوف، و هو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب و خمه. انظر النهاية ٢/ ٢٣١.
[٣] عسفان بضم أوله، و سكون ثانيه، ثم فاء، و آخره نون. قيل: منهلة من مناهل الطريق. بين الجحفة و مكة. و قيل: عسفان بين المسجدين، و هي من مكة على مرحلتين. و قيل: هو قرية جامعة على ستة و ثلاثين ميلا من مكة، و هي حد تهامة.
و بين عسفان إلى ملل موضع يقال له الساحل. مراصد الاطلاع ٢/ ٩٤٠.
[٤] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٢٣٤) و ذكره المتقي الهندي في الكنز (١٧٦١٥) و ابن كثير في البداية و النهاية ٣/ ١٧٨.