تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٢
فأمّا قوله : « الذي ليس لصفته حد محدود » ، فإنه يعني بصفته هاهنا كُنهَه وحقيقته ، يقول : ليس لكنهه حدّ فيعرف بذلك الحدّ قياسا على الأشياء المحدودة ؛ لأنّه ليس بمركّب ، وكلّ محدُود مركّب . ثم قال : « ولا نعت موجود » ، أي ولا يدرك بالرسم ، كما تُدرَكُ الأشياء برسومها ؛ وهو أن تعرف بلازم من لوازمها ، وصفة من صفاتها . ثم قال : « ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود » ، فيه إشارة إلى الردّ على من قال : إنّا نعلم كنهَ الباري سبحانه لا في هذه الدنيا ، بل في الآخرة ؛ فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون : إنّا نعرف حينئذٍ كُنهَه ؛ فهو عليه السلام ردّ قولهم ، وقال : إنه لاوقتَ أبدا على الإطلاق تُعرَف فيه حقيقته وكنهه ، لا الآن ولا بعد الآن ، وهو الحقّ . فأمّا قوله : « فطر الخلائق ... » إلى آخر الفصل ؛ فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز ، فقوله : « فطر الخلائق بقدرته » ، من قوله تعالى : « قَالَ مَنْ رَّبُّ السَّموَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا » [١] وقوله : «ونشر الرياح برحمته»، من قوله: « يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» [٢] . وقوله : « ووتَّد بالصخور ميدان أرضه » ، من قوله : « وَالجِبَالَ أوْتَادا » [٣] . والمَيدان : التحرّك والتموّج .
الأصْلُ :
.أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بهِ تَوْحِيدُهُ ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاْءِخْلاصُ لَهُ ، وَكَمَالُ الاْءِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ . فَمَنْ وَصَفَ اللّه َ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ . وَمَنْ قَالَ «فِيمَ ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ .
[١] سورة الشعراء ٢٤ .[٢] سورة الأعراف ٥٧ ، وهي قراءة أهل الحرمين ، وأبي عمرو .[٣] سورة النبأ ٧ .