تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٢٢
الشّرْحُ :
بثثتُ لكم المواعظ : فرّقتُها ونشرتُها . والأوصياء : الذين يأتمنُهم الأنبياء على الأسرار الإلهية ؛ وقد يمكن ألاّ يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة والولاية ، فإنّ مرتبتهم أعْلَى من مراتب الخلفاء . وحدوتكم : سقتكم كما تحدَى الإبل . فلم تستوسقوا ، أي لم تجتمعوا . قوله : « يطأ بكم الطريق » ، أي يحملكم على المِنْهاج الشرعيّ ، ويسلك بكم مسلَك الحقّ ، كأنّه جعلهم ضالّين عن الطريق التي يطلبونها . وقال : أتريدون إماما غيري يوقفكم على الطريق التي تطلبونها حتى تطؤوها وتسلكوها ؟ ثم ذكر أ نّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلاً ؛ وهو الهدى والرشاد ، فإنّه كان في أيّام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم مقبلاً ؛ ثم أدبر عند استيلاء معاوية وأتباعه ؛ وأقبل منها ما كان مدبرا ؛ وهو الضلال والفساد . ومعاوية عند أصحابنا مطعون في دينه ، منسوبٌ إلى الإلحاد ؛ قد طعن فيه صلى الله عليه و آله وسلم . قوله عليه السلام : « وأزمَع التّرحال » أي ثبت عزمُهم عليه ؛ يقال : أزمعتُ الأمرَ ؛ ولا يقال : أزمعتُ على الأمر ، هكذا يقول الكسائيّ ؛ وأجازه الخليل والفرّاء . ثم قال عليه السلام : إنّه لم يضرّ إخواننا القتلَى بصِفّين كونهم اليوم ليسوا بأحياء حياتنا المشوبة بالنّغص والغُصَص . ويقال : ماء رنْق ، بالتسكين ، أي كدر ، رنِق الماء بالكسر ؛ يرنق رنقاً فهو رَنْق ، وأرنقته ؛ أي كدّرته ، وعيش رَنِق بالكسر ، أي كَدِر . ثم أقسم إنّهم لَقُوا اللّه فوفّاهم أُجورهم ؛ وهذا يدلّ عَلَى ما يذهب إليه جمهور أصحابنا من نعيم القبر وعذابه . ثم قال عليه السلام : « أين إخوانِي » ؟ ثم عدّدهم ، فقال : « أين عمار » ؟ وهو عمّار بن ياسر بن عامر بن كنانة بن قيس العنسيّ ـ بالنّون ـ المذحِجيّ ؛ يكنى أبا اليقظان ، حليف بني مخزوم وتواترتِ الأخبار عَنْ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أ نّه قال : « تقتُلُ عمّارا الفئة الباغية » ، وهذا من إخباره بالغيب ، وأعلام نبوّته صلى الله عليه و آله وسلم ، وهو من أصح الأحاديث . وكانت صِفّين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ، ودفَنَه عليٌّ عليه السلام في ثيابه ولم يغسّله . وكانت سنّ عمّار يوم قُتل نيّفا وتسعين سنة . ثم قال عليه السلام : « وأين ابن التّيِّهان » ، هو أبو الهيثم بن التّيهان ؛ واسمه مالك ، واسم أبيه مالك أيضا ، ابن عبيد بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر الأنصاري ، وإنَّه حليفٌ لبني عبد الأشهل ؛ كان أحدَ النّقباء ليلة العقبة ، وشهد بدرا . قال أبو عمر : إنه أدرك صفين ، وشهدها مع علي عليه السلام ، وقال : وممن قتل بصفين عمار ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعبد اللّه بن بديل وجماعة