تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٢
مدح فيها الإمام علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام ، لكن هل يغمز المسلم بالغلو في التشيع والولاء والحبّ لأهل البيت عليهم السلام الذين جعل اللّه ورسوله حبَّهم فريضة من فرائض الدين ، وأوجب الصلاة عليهم في الصلوات الخمس كل يوم ؟ وكيف يُنعت عزّ الدين بالغلو في التشيع بعد أن أنكر « النصّ » في شرح النهج ، وبعد أن ألّف كتاباً في الردّ على غلاة الشيعة أسماه (مقالات الشيعة) ، وبعد أن نقض ذريعة الشريف المرتضى وشافيته دفاعاً عن مذهب الاعتزال ؟ ولم ينظم علوياته إلاّ أيام الخليفة الناصر العباسي (٦٢٢ ه) الذي لم تكن بيده يوم تولى الخلافة غير بغداد ، فأعلن أنّه من الشيعة الإمامية ؛ ليأتلفهم ، وهم يومذاك أكثر أهل بغداد والعراق ، وتشيّعُ الناصرِ ، تشيّعٌ سياسي لا مذهبي ، وإلاّ لقلب دولته إلى مذهب الشيعة الإمامية ، فهتف عزّ الدين ابن أبي الحديد بعلوياته ، لتكون جوازه إلى ديوان الناصر . ولما ألّف ابن أبي الحديد (شرح النهج) بطلب من ابن العلقمي الأسدي وزير المستعصم ، كان ينظر بعين إلى الخليفة الشافعي ، وبعين إلى الوزير الشيعي ، وحاول يراعه المحافظة على هذه المعادلة وهو يرقم شرح النهج [١] . حتى إنه في قصيدته التي بعثها إلى الوزير العلقمي يشكره فيها على هديته ، يؤكد على مذهبه في الاعتزال : أحب الاعتزال وناصريه ذوي الألباب والنظر الدقيق وذكر السيوطي : أنه تدل سيرة عبد الحميد بن أبي الحديد وأشقائه الثلاثة وأبيهم أنهم من الشيعة الإمامية ، إلاّ أنهم انتحلوا المذهب الشافعي بعد انخراطهم في وظائف العباسيين ، وكان القادر باللّه العباسي أول من انتحل المذهب الشافعي من الخلفاء العباسيين [٢] . إننا لو سلّمنا بضمون هذا النص لأمكن تفسير تحوّل هذه الأسرة من مذهبها الشيعي إلى المذهب الشافعي مذهب الخليفة ، وتلوّن مشاعر عز الدين بن أبي الحديد وآرائه وتقلبها بحسب ما يحصل عليه من مكاسب ومنافع دنيويه آنيّة ، ولكن يصعب الالتزام بذلك لما قلناه سابقاً . ومع ذلك فقد ظهر في علوياته محايداً وأميناً ، حافظ على استقلال شخصيته وأمانتها .
[١] العذيق النضيد ، د . أحمد الربيعي ، ص٦٤ .[٢] تاريخ الخلفاء ، ص٤١٢ .