تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٢
. لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ ، رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ الاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ ، وَلاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِهِ .
الشّرْحُ :
ارتمت الأوهام ، أي ترامَت ؛ يقال : ارتمى القوم بالنَّبْل ؛ أي تراموا ، فشبّه جَوَلان الأوهام والأفكار وتعارضها بالترامي . وخَطْر الوساوس ، بتسكين الطاء ؛ مصدر خَطَر له خاطر ، أي عرض في قلبه ، وروي « من خطَرات الوساوس » . وتولّهت القلوب إليه : اشتدّ عِشقها حتى أصابها الوَله وهو الحيرة . وقوله : « لتجري في كيفية صفاته » ، أي لتصادف مجرىً ومسلكاً في ذلك ؛ وغمضت مداخلُ العقول ، أي غَمض دخولها ، ودق في الأنظار العميقة التي لا تبلغ الصفات كنهَها لدقّتِها وغموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى . قوله عليه السلام : « ردعها » ، أي كَفّها . وتجوب ، أي تقطع . والمهاوي : المهالك ، الواحدة مَهْوَاة بالفتح ، وهي مابين جبلين أو حائطين ونحو ذلك. والسُّدَف : جمع سُدْفة ، وهي القطعة من الليل المظلم . وجُبهت ، أي رُدّت ، وأصله مِنْ جَبْهتُه ، أي صَكَكْتُ جبهتَه . والجَوْر : العدول عن الطريق . والاعتساف : قَطْع المسافة على غير جادّة معلومة . وخُلاصة هذا الفصل أَنّ العقول إذا حاولت أن تدرِك متى ينقطع اقتداره على المقدّرات نكصتْ عن ذلك ؛ لأ نّه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى ، وإذا حاول الفِكْر الذي قد صفا وخلا عن الوساوس والعوائِق أنْ يدرك مغيّبات عِلْمِه تعالى كلَّ وحَسَر ورجع ناقصا أيضا . وإذا اشتدّ عشق النفوس له ، وتولّهت نحوه لتسلك مسلكا تقِف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك . وإذا تغلغلت العقول ، وغَمَضت مداخلُها في دقائق العلوم النظرية الإلهيّة التي لا توصف لدقّتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى ، انقطعت وأعيت ، وردّها سبحانه وتعالى وهي تجول وتقطع ظلماتِ الغيب لتخلُص إليه ، فارتدّتْ حيث جَبّهها وردعها ، مُقِرّة معتَرِفة بأن إدراكه ومعرفته لا تُنالُ باعتساف المسافات التي بينها وبينه ؛ وإن أرباب الأفكار والرويات يتعذّر عليهم أن يخطِر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته ؛