تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤
معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهّاد ، ومذاهب العُبّاد ؟! » [١] . أقول : هذا مع العلم أنّ الجاحظ كان معتزلياً عثماني المذهب ، لا يميل لعليّ عليه السلام ، ولا يفضله على عثمان أو غيره من الخلفاء [٢] . وأنّى للرضي أو غيره من فصحاء الشيعة وغيرهم محاكاة الإمام عليه السلام ، أو مجاراته في اُسلوبه وطريقته ، أو في معانيه وألفاظه . ثانياً ـ أمّا التشكيك بنسبة الخطب له عليه السلام ؛ لطولها ، ولتعذّر حفظها على الرواة ، فهو كسابقه تشكيك لا قيمة له ، إذا عرفنا أنّ العرب كانوا في تلك العصور يعتمدون على قوة وسرعة الحافظة ، فقد كانوا يحفظون القصائد الطوال لمجرد سماعها . حكى صاحب الإغاني ، أنّ ابن عباس رحمه الله حفظ قصيدة عمر بن أبي ربعية : (أمن آل نعم أنت غاد فمبكر) لمجرد سماعها بقراءة واحدة . وخطب النهج ليست بدعاً من خطب النبي صلى الله عليه و آله وسلم أو الخلفاء ، ولو كان الحفظ يتعذر ، لكان الشك يسري إلى كلّ ما حفظ من خطب النبي صلى الله عليه و آله وسلم والخلفاء ، والولاة وغيرهم من أهل الجاهلية والإسلام . ومن المحتمل أنّ خطب الإمام عليه السلام كانت تكتب بعد سماعها من قبل أصحابه ومريديه . ثالثاً ـ أمّا وجود خطب تعرّض فيها الإمام عليه السلام لبعض الصحابة والخلفاء السابقين ، وطعنت عليهم ونالت منهم ، وأكثر هذه التعريضات جاءت في الخطبة الشقشقية ، وقد ذكر ذلك غير واحد ممن شكك في النهج كابن تيمية والذهبي ، وقد صرّح الأخير في ميزان الاعتدال ، بقوله : « ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ رضى الله عنه ، ففيه السبّ الصراح والحطّ من السيدين أبي بكر وعمر ... » [٣] . والجواب : إنّ التعرض لنقد الصحابة ـ في الواقع ـ لا ينسجم مع عقيدة المشكك ومذهبه، باعتباره قائم على بدعة عدالة الصحابة وتنزيههم . والواقع التاريخي والموضوعي يرفضه
[١] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ٢/١٧٥ ؛ وراجع البيان والتبيين ، الجاحظ ٢/٥٦ ـ ٥٨ ، تحقيق وشرح السندوبي ، الطبعة الأُولى ١٣٤٥ ه / ١٩٢٧ م ، المطبعة الرحمانية ـ مصر .[٢] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ١/٧ .[٣] ميزان الاعتدال ، الذهبي ٣/١٢٤ رقم ٥٨٢٧ ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار الفكر ـ بيروت .