النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٣٢
و يتمحور الكتاب حول قضية السلطة و الحكم فيبحث في دور الرئيس و أهميته و وظائفه، و في اركان المملكة.
و يتطرق ايضا الى قضايا الاخلاق و القيم النبيلة و المثل العليا؛ فيناقش اخلاقيات الملك، و يحدد ما يجب و ما ينبغي ان يكون عليه سلوك الحاكم و يحذر من الاوصاف المذمومة، و في ظل هذا الجانب و ذاك يلمح المؤلف الى قضايا العدل، و يصور الواقع السياسي و الاجتماعي، و يرسم آداب السلوك العامة مستفيدا من النصائح و المواعظ و الحكايات و المأثورات المستوحاة من حضارة الفرس الساسانيين و من تراث الهند و الروم و من التاريخ العربي الاسلامي.
ان النهج المسلوك محاولة من المؤلف هدفها الحفاظ على مصالح السلطان و حسن سير العلاقة بالرعية وفق صيغ أخلاقية و قيم اجتماعية جديدة. و يمثل الكتاب في الوقت عينه دعوة صريحة من الشيزري في البحث في الماضي و الاستفادة من النظرية الاسلامية الكلاسيكية، و العودة بالمجتمع و الدولة بعد التدني الحاصل في الاخلاق و في القيم إلى ما كانا عليه من صفاء و اصالة خلال العهود الاسلامية الأولى.
و من وجه آخر يعتبر الكتاب بمضامينه السياسية و الاخلاقية بديلا عن الكتابات الكلامية و الفقهية التي لم تعد قادرة على استيعاب التناقضات داخل السلطة أو تقديم حلول جذرية لمشكلات المرحلة الراهنة، فموضوعه كما تقدم يتمركز حول السلطة و آداب التعامل السياسية، و مادته تنحصر في مجموعة وصايا اخلاقية، و نصائح و ارشادات سياسية عملية يزوّد المؤلف بها السلطان و يعلمه كيف يحكم، و كيف يحافظ على وجوده في السلطة هو و ورثته أطول مدة ممكنة.
و بدل أن يناقش المؤلف شرعية السلطة و قانونيتها نجده يقترح صيغا سياسية جديدة و قواعد تنظم الدولة و تضبط علاقات الحاكم بالمحكومين، و نجده يذكّر السلطان بالثواب و العقاب و يحثه على العدل و المروءة و الامانة و النجدة عبر اسلوب الوعظ و الارشاد و التوجيه المباشر، أو يوجهه بالحكايات أو المأثورات و القصص التي يستوحيها من التاريخ العربي الاسلامي[١]. فلو أننا أمعنا النظر في النهج
[١] -انظر: وصايا ملوك العرب و حمير الباب الثالث، و حكاية عن شجاعة موسى الهادي، وردت في-- مروج الذهب للمسعودي، ٣/ ٣٣٥. و في سلوان المطاع، لابن ظفر ص ٦٠- ٦١. كذلك نجد حكاية عمر بن الخطاب مع المرأة الفقيرة في شرح نهج البلاغة ٣/ ١٠٥- ١٠٦. و في التبر المسبوك للغزالي ص ٢٠٧- ٢٠٩. و حكايات عربية اسلاه( ٤)، الباب السادس مثل حكاية صالح بن حسان عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك مع احد اخواله، وردت في عيون الاخبار ٢/ ١٢٠- ١٢١.
و حكاية خلاف الامين و المأمون حول ولاية العهد، و حكاية اخرى عن عبد الملك بن مروان مع عمرو بن سعد بن العاص في الباب التاسع.