الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٥٢ - مصادر القصص القرآني
أما في سورة الحجر فلما كان القصد إفاضة ما بنفس محمد من قلق ليهدأ و يستقر، و قلقه هذا سببه استهزاء صناديد مكة به، جاءت الصورة تنطق بالقسوة و المحاورة مملوءة بالعنف.
إذن المسألة تنحصر في طريقة الوقف أو الوقوف على القصد أي على المعاني الثواني أو الأحاسيس و الانفعالات. و مرة أخرى لم يؤم القرآن في قصصه قصد التعريف بالتأريخ أو إملاء أخبار.
و المسألة تزداد وضوحا في قصص لوط عليه السلام كما وردت في سورة هود ثم سورة الحجر. و يخبرنا الباحث أنه لا شأن له بترتيب الأحداث في كليهما السابق دراسته إنما يبغي توضيح أمرين يكشفان ما يرمي إليه من عناية القرآن بالمعاني الثواني أو الأحاسيس أو العواطف، ذلك أن قصد القرآن الذي يرمي إليه في كل واحدة منهما له دخل في اختيار المواد الأدبية القصصية لا من جهة إختلاف المعاني الثواني بل من تركيب المواد ذاتها.
الحادثة واحدة و هي موقف قوم لوط منه حين جاءته الملائكة لتدمّر قريتهم و لتنجّي النبي لوط و أهله خلا امرأته، بيد أن استعمال القرآن للحادثة ذاتها و تصويره لها في كليهما يباعد بين صورتيهما حتى يخيّل للقارئ أو السامع إختلاف الحادث في كل لا إختلاف الصورة فحسب كل هذه بسبب الحذف و الزيادة ثم من جراء العواطف و الأحاسيس.
و هنا يثور سؤال: لم اختلفت الصورتان و تباينت التعبيرات الفنية و الأدبية؟
الإجابة تكمن في قاعدة: ابحث عن المعاني الثواني و أعرض عن المعاني الأوائل.
و التذكير بأن القرآن لا يؤرّخ إنما يحكي أمورا أخرى هي التي تملي طريقة بناء القصة و أسلوب عرضها و بالتالي و من جميعها يتأتى التصوير للحادث.
ثم يكرر خلف اللّه الغرض من قصص سورة هود و هو تثبيت قلب النبي عليه السلام و أسلوب القرآن في ذلك هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء و الإفاضة و عبارات القصة تحمل من المعاني الثانية ما يلائم حال النبي عليه السلام و قصد القرآن.