الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٥٤ - مصادر القصص القرآني
و لا تقف المسألة عند هذا الحد بل تذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان القرآن يلحظ العلاقة التي يفرضها المجتمع و يقيمها بين الصورة الأدبية و النفس البشرية. و يمثل لذلك بالآية التي تنفّر من عبادة الملائكة بتشبيهها بالإناث و البيئة العربية مستقرة على كراهية الإناث فلو أن تلك البيئة تعرف للأنثى حقها و تقدّرها و تعتقد أنها أجمل خلق اللّه لما أقدم القرآن على ذلك.
و كذلك اختار النعوت البشعة لجهنم باختيار أفظع ألوان الطعام و الشراب لها مثل الغسلين و الزقوم و طلعها كأنه رءوس الشياطين... إلخ. حتى و لو كانت بعض هذه الصور من اختراع الخيال و هذا ما جاء في الكشاف: و شبّه برءوس الشياطين لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير.
ثم يخاطب القارئ بأنه لن يستطيع-بعد ذلك كله-أن ينكر أن القرآن جعل أس اختياره للمواد الأدبية من صور و ألفاظ القدرة على التأثير و هذه القدرة تستمد قوتها و حيويتها من الصلة التي يربط فيها المجتمع بين هذه الأدوات و بين النفوس و هو ما فطن إليه القدامى من علماء البلاغة عند حديثهم عن الدلالات. ثم يعرّج بعد ذلك الطواف الطويل أو يصل إلى الإجابة عن السؤال فيرد:
أن القدماء لا يتحرّجون من القول بأن القرآن كان يجيء على ما يعتقده الجاهليون و يزعمون و يستطرد بأن هذا القول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث و أخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك أن القرآن يكتفي بما تزعمه العرب و ما تعتقده في صوره البيانية المعجزة، و لا يخفى أن القصة إحدى صور البيان العربي و أنه (القرآن) اكتفى في قصص أصحاب الكهف و ذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون و من هنا لا يصح الاعتراض على أن في أقاصيص القرآن مخالفات للحق و الواقع بل للتاريخ ذاته.
دليل آخر يقدّمه الباحث على أن القرآن لم يهدف في قصصه إلى التأريخ. هو اختياره لبعض الرسل دون بعض و إطالته الحديث عن واحد أو نفر دون غيرهم و تأخيره تصوير حدث في حياة رسول و تقديم آخر كذا اختياره لغة المرسل إليهم لتغدو لغة الرسالة و الوحي.