الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٤١ - المقاصد و الأغراض
و يصوّر الحسرة و الألم على ما أضاعوا من أعمار و ما تركوا من خير كما يصوّر الندم على أتباع المجرمين و الاستماع إلى القادة المضلين. قََالُوا وَ هُمْ فِيهََا يَخْتَصِمُونَ*`تَاللََّهِ إِنْ كُنََّا لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`وَ مََا أَضَلَّنََا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ*`فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ*`وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ*`فَلَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ .
ثم تكون تلك الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه في هذه السورة و هي إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ .
و كنا نستطيع أن نمضي في الحديث عن تلك الأشياء التي أثار القصص القرآني النفوس ضدها كصد الناس عن سبيل اللّه و كالحسد. و كنا نستطيع أن نمثل لذلك ببعض القصص كقصة شعيب و يوسف و ابني آدم و لكنا آثرنا أن نكتفي بما تقدّم لأن القصد كان التدليل على وجود هذا الغرض و ضرب الأمثلة التي تثبت و توضح و نعتقد أن قد بلغنا من ذلك ما نريد.
ثالثا-و القصة كما تقوم بعملية الإفاضة و عملية الإيحاء أو تكوين عواطف قوية و صادقة مع أو ضد القيم الخلقية و الدينية و الاجتماعية الموجودة في البيئة أو المراد فرضها عليها تقوم بعملية أخرى لا تقل عن هذه أثرا في حياة الإسلام و المسلمين تلك هي بث الثقة و الطمأنينة أو بذر بذور الخوف و القلق و الاضطراب النفسي.
و القصة القرآنية لها خطرها من هذه الناحية فهي التي تولّد هذه الأشياء بعرضها صورا من الحياة الدينية انتصر فيها الدعاة و من آمن بهم و حاق الدمار و الهلاك بالقادة المعارضين و من اتّبعهم. و هذه الأمور ملحوظة في مجموعات قصص سور الأعراف و الشعراء و القمر.
و نلحظ أن عملية الخلق الفني في هذه المجموعات تقوم على أساس اختيار بعض العناصر المعروفة و المتداولة من أخبار الأمم السابقة و مزجها و إخراجها في الثوب الذي يؤثّر الأثر المطلوب من إشاعة القلق و الاضطراب في قلوب الكفرة و المشركين أو رد الثقة و الطمأنينة لنفوس المؤمنين و من هنا قال شعيب لقومه وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [١] .
[١] سورة هود، الآية ٨٩.