الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٧ - الأدب و التاريخ
التشبيه بالملك عند تقرير الكمال و الفضيلة في قوله أن هذا إلا ملك كريم فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برءوس الشياطين في القبح و تشويه الخلقة» [١] .
و جاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ [٢] ما يأتي: «لا يقومون إذ بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان أي المصروع و تخبّط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع و الخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء فورد على ما كانوا يعتقدون.
و المس الجنون و رجل ممسوس و هذا أيضا من زعماتهم و أن الجني يمسّه فيختلط عقله و كذلك جن الرجل ضربته الجن و رأيتهم لهم في الجن قصص و أخبار و عجائب و إنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات» [٣] .
القرآن يجري كما ترى في فنّه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب و نتخيّل لا على ما هو الحقيقة العقلية و لا على ما هو الواقع العملي و لعله أن يكون من ذلك حديث القرآن عن المنافقين في قوله تعالى إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ [٤] فإنّا نراه يقيم تكذيب المنافقين على أساس ما يعتقدون لا على أساس ما هو الحق و الواقع فلقد كان المنافقون يعتقدون أن محمدا غير مرسل من ربه و كان الحق و الواقع أنه لرسول و قيل المنافقين له إنك رسول اللّه يتّفق مع الحق و يختلف و ما يعتقدون و من هنا رماهم القرآن بالكذب و حذّر النبي عليه السلام منهم.
و القرآن يجري على هذا المذهب أيضا حين يتحدّث عن الجن و عن عقيدة المشركين فيهم و أنهم كانوا يستمعون إلى السماء ليعرفوا أخبارها ثم يقومون بعد ذلك
[١] الرازي، جـ ٧، ص ٩٩.
[٢] سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٣] الكشاف، جـ ١، ص ١٧٦.
[٤] سورة المنافقون، الآية ١.