الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٧٠ - المعاني التاريخية
وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاََمَهُمْ فحكى تفصيل ما كان يجري في أمر مريم و ذلك من أعظم معجزاته صلّى اللّه عليه و سلّم» [١] . و جاء في الرازي: «فإن قيل أ ليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم. قلنا تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة» [٢] .
و فكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثالثا أن القول بأنها إحدى المعجزات لا يدحض أقوال المشركين أولئك الذين قالوا بأن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار و أنه يعلمه إياها بشر و أنهم لو شاءوا لقالوا مثلها و أنهم قد قصّوا بالفعل أخبار رستم و أحاديث اسفنديار و أن قريشا كانت تستملح هذه الأقاصيص و تنصرف عن محمد عليه السلام إلى المعارضين للنبي و للقرآن.
فكّر العقل الإسلامي في كل هذه الأشياء و انتهى به التفكير إلى أن القرآن نفسه لم يجعل هذه الأخبار موطن التحدي و مناط الإعجاز و إنما جعل الإعجاز كل الإعجاز في قوة التأثير و سحر البيان. جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ [٣] ما يلي: «و الحاصل أن القوم اتّهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه و يزعم أنه عرفها بالوحي و هو كاذب فيه. ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ... و أما وجه تقرير الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا القرآن الكريم إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ و كأنه قيل هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة» [٤] . و لعله من هنا كان القرآن يتحدى العرب بالسور المفتريات فقد جاء في المنار: «كأنه يقول أدع لكم ما في سور القصص من الأخبار عن الغيب و أتحدّاكم أنتم و سائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم على الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن في
[١] تنزيه القرآن عن المطاعن، ص ٥٩.
[٢] الرازي، جـ ٥، ص ٦٥.
[٣] سورة النحل، الآية ١٠٣.
[٤] الرازي، جـ ٥، ص ٣٥٠.