الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٧١ - المعاني التاريخية
قصصها مع السماح لكم بجعلها قصصا مفتراة من حيث موضوعها» [١] .
التحدي إنما يقوم كما رأيت على قوة التأثير و سحر البيان و من هنا لا نستطيع أن نعد هذه الأخبار التي جاءت في القصص القرآني إحدى المعجزات.
أما إن هذه الأخبار قد أفادت كثيرا في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام و صدق رسالته فهو الأمر الذي لا ننكره بل نقر به و نؤكّده لكن على أساس أن قوة هذا الإيحاء إنما تقوم على ذلك الرأي الديني اليهودي الذي كانت تدين به الجماعة و الذي لا يلزم حتما أن تكون هذه الأخبار من التاريخ فقد كان يكفيه منها أن تكون مما يعرفه اليهود أو تعرفه العرب كما سنرى بعد لحظات.
هذه الوقفات الطويلة و هذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرّر أخيرا في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن و أن التمسّك بالخطر أي خطر على النبي عليه السلام و على القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة.
جاء في الرازي: «و اعلم أن هذا الكلام-قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [٢] -يحتمل وجوها: الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين و لم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو الحكاية نفسها بل أمور أخرى مغايرة لها» [٣] .
و جاء في غرائب القرآن للنيسابوري عند تفسيره للآية السابقة: «و ذلك إنما حملهم على التكذيب أولا و آخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين و لم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين و خفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم و نقل الأمم من العز إلى الذل و بالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون و غاية كل سكون ألا يكون كقوله عز من قائل لَقَدْ كََانَ
[١] المنار، جـ ١، ص ١٩٤.
[٢] سورة يونس، الآية ٣٩.
[٣] الرازي، جـ ٤، ص ٥٩١.