الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٥٨ - المعاني التاريخية
هََارُونَ [١] فلا شك أن محمدا توهّم أن مريم أخت هارون التي كانت أيضا ابنة عمرام «أي عمران» هي مريم نفسها التي صارت أم يسوع. المسيح عيسى. بعد ذلك بنحو ألف و خمسمائة و سبعين سنة. و هذا القول يشبه الرواية الواردة في الشاهنامه... إلخ. و ربما كان سبب هذا الغلط أنه ورد في إحدى خرافات اليهود كلام بخصوص مريم أخت هارون نصه أن ملاك الموت لم يتسلّط عليها، بل ماتت بقبلة إلهية و لم يتسلّط عليها الدود و لا الحشرات . و على كل حال فهذا خطأ جسيم لأنه لم يقل أحد من اليهود أن مريم هذه بقيت على قيد الحياة إلى أيام المسيح [٢] .
هذه الأقوال و كثير غيرها قصد إليها المبشّرون و الملاحدة ليثبتوا للناس أن القرآن من عند محمد لأنه لو كان من عند اللّه لما وجدت فيه هذه الأخطاء التاريخية.
و هذه الأقوال و كثير غيرها إنما كانت لأن المسلمين أنفسهم قد حرصوا الحرص كله على فهم القصص القرآني على أساس من التاريخ و لو أنهم أعرضوا عن هذا الأساس و حاولوا فهم القرآن على أساس من الفن الأدبي أو البياني البلاغي لأغلقوا هذا الباب الذي جاءت منه الريح و لسدوا على المشركين و المبشّرين السبل و حالوا بينهم و بين الطعن في النبي عليه السلام و في القرآن الكريم.
(ب) أما الرأي الثاني فهو رأي المسلمين و هم يؤمنون بهذا المقياس و يعتقدون بصحّته و يرون أن ورود هذه الأخبار في القصص القرآني إنما هو دليل النبوة و علامة الرسالة و أنه لو لا الوحي لما عرف النبي الأمي هذه الأخبار مع أنه لم يقرأ في كتاب و لم يتتلمذ على من قرأ في كتاب.
و إيمان المسلمين بهذا المقياس لم يكن وقفا على عصر النبوة و إنما امتد به الزمن حتى شمل الأعصر الإسلامية من لدن البعثة المحمدية إلى وقتنا هذا. و حتى أصبح عنصرا مهما من العناصر المكوّنة للعقلية الإسلامية يهتز باهتزازها و يتأثر بما تتأثر به من تيارات فكرية تتعاقب عليها بتعاقب السنين و الأعوام.
[١] سورة مريم، الآيتان ٢٧-٢٨
[٢] مصادر الإسلام، ص ١٠٢-١٠٤.