الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٦ - تمهيد
عليه السلام و كيف كانت قريش تستملح حديثه حتى لتنصرف عن النبي إليه حين يقص على الجماعات أخبار فارس و قصص رستم و اسفنديار.
لم أكن قد وقفت على شيء من هذا و لذا لم أكد أقف عليه و أتأمّله حتى قرّ في نفسي أن يكون «الفن القصصي في القرآن الكريم» موضوع رسالتي المقبلة رسالة الدكتوراة.
على أني لم ألبث أن تبيّنت أسبابا أخرى أكّدت في نفسي ما سبق فقد لاحظت أن أئمة الدين و التفسير يعدون القصص القرآني من المتشابه و أن الملاحدة و من نحا نحوهم من مبشّرين و مستشرقين قد وجدوا منه الثغرة التي ينفذون منها للطعن على النبي و في القرآن الكريم.
هنا حلا لي الوقوف فأطلت و إليك ما عنّ لي من ملاحظات.
لاحظت أن السبب في موقف أولئك و هؤلاء من القرآن يرجع في جملته و في تفصيله إلى ذلك المنهج المنحرف الذي جرى القوم عليه و الذي دفعهم إلى دراسة القصص القرآني كما تدرس الوثائق التاريخية لا كما تدرس النصوص الدينية و النصوص الأدبية البليغة أو المعجزة و من هنا وقفت لأدرس القصص القرآني على منهج الأصوليين و اللغويين و الأدباء عسى العقد أن تحل و عسى المشكلات أن تزول و عسى هذا الباب الذي يلج منه الملاحدة و المبشّرون أن يوصد إلى غير رجعة إن شاء اللّه.
و لاحظت أن الوحدة القصصية في القرآن الكريم لا تدور بحال من الأحوال حول شخصيات الرسل و الأنبياء عليهم السلام و إنما تقوم قبل كل شيء و بعد كل شيء على الموضوعات الدينية و الأغراض القصصية من اجتماعية و خلقية و من هنا تبيّنت لما ذا عدّ القدماء من المفسّرين القصص القرآني من المتشابه.
و لاحظت أن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له و أنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقوّمات التاريخ من زمان و مكان و من هنا تبيّنت أن القوم قد عكسوا القضية حين شغلوا أنفسهم بالبحث عن مقوّمات التاريخ و هي غير مقصودة و أهملوا المقاصد الحقيقية للقصص القرآني. و لو أنهم شغلوا أنفسهم بتلك المقاصد الحقة لأراحوا أنفسهم من عناء كبير و لأبرزوا الجوانب الدينية و الاجتماعية من القصص القرآني إبرازا ملموسا يثير المشاعر و العواطف و يؤثر في العقول