الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٤ - تمهيد
تعالى لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ [١] . و صنف استعدّت نفوسهم و تهيّأت لأمثال هذه الدعوات و هم الذين قال فيهم إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ [٢] .
و نستطيع أن نمضي مع هذه الآيات و كثير غيرها فنرى أن القرآن الكريم يقصد إلى هذه الظاهرة فيصوّرها و يصوّر استعدادات النفوس فإن اختلف التصوير فلأمر يقصد كأن يكون القصد التسرية عن النبي عليه السلام و إزالة الهم و الغم عن نفسه. أو يكون تنفير هؤلاء و أمثالهم من ذلك الموقف الذي يحيط به الجمود من كل النواحي. كما قد يكون غير هذين من أمور يستطيع الباحث الوقوف عليها. و لكن لن يكون منها فيما نعتقد ذلك الذي ذهب إليه المفسّرون من أن المولى سبحانه و تعالى قد حكم عليهم بعدم الإيمان في المستقبل و لسنا بحاجة إلى القول بأن كثيرين من هؤلاء الذين وصفهم القرآن الكريم بهذه الصفات قد آمنوا عام الوفود و عام فتح مكة فهذه أمور قد تكفّل بها التاريخ.
(٢) و في تفسير المفسّرين أو في محاولتهم للتوفيق بين ألفاظ الجان و الثعبان و الحية من قصص موسى نراهم يهتمون بالمعاني و يعرضون عما تثيره الألفاظ من انفعالات و أحاسيس و من هنا لا يوفّقون إلى الفهم الصحيح فيما نعتقد. يقول صاحب الكشاف في تفسيره لقصة موسى من سورة طه «فإن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية و الجان و الثعبان قلت. أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير و أما الثعبان و الجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات و الجان الدقيق و في ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية حلالها تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورّم و يتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا فأريد بالجان أول حالها و بالثعبان مآلها. و الثاني أنها كانت في شخص الثعبان و سرعة حركة الجان و الدليل عليه قوله تعالى فلما رآها تهتز كأنها جان.
و قيل كان لها عرف كعرف الفرس و قيل كان بين لحييها أربعون ذراعا» .
و صاحب الكشاف و من تابعه يعتقدون أنهم بهذا القول قد خرجوا من تناقض و أن
[١] سورة يس، الآية ٦.
[٢] نفس السورة، الآية ١١.